النحاس في أفريقيا.. ما القوى التي ستشكل السوق في 2026؟

4٬573
المرفأ- يدخل سوق النحاس في أفريقيا عام 2026 عند نقطة تقاطع دقيقة بين طلب عالمي متصاعد وضغوط إنتاجية وبنيوية وسياسية متزايدة.
فبينما يدفع التحول العالمي في قطاع الطاقة، والطلب على السيارات الكهربائية، وشبكات الكهرباء الذكية، أسعار النحاس إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا، يواجه المنتجون الأفارقة تحديًا مزدوجًا؛ مثل الحفاظ على وتيرة الإنتاج، وضمان تدفقات مستقرة في بيئة جيوسياسية واقتصادية شديدة التقلب، وفق مجلة “جون أفريك”.
في ديسمبر الماضي، تجاوزت أسعار النحاس حاجز 12 ألف دولار للطن، مدفوعة باضطرابات الإمداد والمخاوف المرتبطة بالتعريفات الجمركية الأمريكية.
ورغم أن تقديرات وكالة “رويترز” تشير إلى متوسط أكثر استقرارًا عند نحو 10,500 دولارات للطن في 2026، إلا أن هذا المستوى يظل مرتفعًا تاريخيًا، ويضع ضغوطًا إضافية على سلاسل التوريد، خصوصًا في أفريقيا.
حزام النحاس الأفريقي
يُعد حزام النحاس الأفريقي، الممتد بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، أحد الأعمدة الأساسية للإمدادات العالمية.
ووفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، من المتوقع أن يبلغ إنتاج الكونغو الديمقراطية نحو 3.3 ملايين طن، وزامبيا 680 ألف طن، من أصل إنتاج عالمي يناهز 23 مليون طن. أي أن الدولتين تساهمان بنحو سدس النحاس المنتج عالميًا.
لكن الأهمية لا تعني الاستقرار. فأي اضطراب طفيف في الإنتاج أو النقل داخل هاتين الدولتين يمكن أن يعيد تشكيل توازن السوق العالمي.
ويكمن التحدي الحقيقي في عام 2026 ليس فقط في حجم الإنتاج، بل في قدرة البلدين على توفير مركزات النحاس بشكل منتظم، وسط اختناقات لوجستية وارتفاع تكاليف المعالجة والنقل.
يعتمد النمو السريع في إنتاج النحاس بالكونغو الديمقراطية بشكل متزايد على شركات تعدين عملاقة، كثير منها صينية.
وتُعد شركة CMOC مثالًا بارزًا، إذ أعلنت أن عملياتها في البلاد أنتجت أكثر من 650 ألف طن في العام 2024، ما يعكس درجة تركّز مرتفعة في السوق.
كما تخطط شركة “إيفانهو ماينز” لرفع إنتاج منجم كاموا–كاكولا إلى ما بين 380 و420 ألف طن في 2026، ضمن خطة تعافٍ طموحة.
غير أن هذه الطموحات تصطدم ببيئة سياسية متقلبة، حيث أصدرت الحكومة في ديسمبر قرارًا بوقف بعض عمليات معالجة النحاس والكوبالت التقليدية، في إطار تشديد الرقابة ومكافحة الفساد.

هذه الخطوات، رغم أهميتها من زاوية الحوكمة، تثير قلق المستثمرين بشأن استقرار السياسات وسرعة تنفيذ القرارات، ما يجعل عام 2026 عامًا حساسًا للثقة الاستثمارية في البلاد.
سباق الممرات والصراع الجيوسياسي
على الجانب الآخر، تراهن زامبيا على انتعاش قوي. وتتوقع الحكومة أن يتجاوز إنتاج النحاس مليون طن في 2026، مدفوعًا باستثمارات ضخمة من شركات كبرى مثل First Quantum وBarrick، التي ضخت مليارات الدولارات لتوسعة المناجم وتمديد أعمارها التشغيلية.
غير أن نجاح هذه الطفرة يبقى مرهونًا بعوامل حاسمة، أبرزها استقرار إمدادات الكهرباء، وسلاسة الإجراءات التنظيمية، وتحديث البنية التحتية للنقل؛ وهنا يبرز صراع الممرات اللوجستية كعامل جديد مؤثر في السوق.
فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدعمان “ممر لوبيتو” عبر أنغولا، بهدف خفض تكاليف نقل النحاس إلى المحيط الأطلسي، بينما تراهن الصين على تحديث خط تازارا لنقل النحاس إلى ميناء دار السلام على المحيط الهندي.
هذه المنافسة لا تعكس فقط سباقًا اقتصاديًا، بل صراعًا جيوسياسيًا على من يضع قواعد اللعبة ويجني ثمار نمو النحاس الأفريقي.
في المحصلة، سيُحدد عام 2026 مستقبل سوق النحاس في أفريقيا عند تقاطع الإنتاج، والسياسة، والبنية التحتية. فبين الطلب العالمي المتصاعد والتنافس الدولي المحتدم، يبقى السؤال مفتوحًا؛ هل تنجح أفريقيا في تحويل ثروتها المعدنية إلى قوة استراتيجية مستقرة، أم تظل رهينة للتقلبات؟

قد يعجبك ايضا