محاكمة لورين: سقوط السيدة المختارة….د. سمر عبد العظيم
المرفأ- إبراهيم عمران
أولًا: مدخل نقدي
يُعد كتاب «محاكمة لورين: سقوط السيدة المختارة» من الأعمال الفكرية التي تمزج بين السرد الأدبي والتحليل النفسي والاجتماعي في اطار جريمة، في محاولة لتفكيك صورة “الإنسان المثالي” التي يفرضها المجتمع على بعض أفراده. لا يقدم النص حبكة روائية تقليدية بقدر ما يطرح بنية رمزية تقوم على فكرة المحاكمة، حيث تتقاطع الذات مع الآخر، ويصبح القارئ شاهدًا على صراع داخلي تتداخل فيه القيم والمعايير والأحكام.
ثانيًا: البنية الفنية والفكرية للنص
يعتمد الكتاب على بنية محاكمة وتبدأ وتنهي احداثة داخل قاعة محاكمة، تُوظَّف فيها مفردات القانون (الاتهام، الشهود، الإدانة، الحكم والطب الشرعي) كأدوات تحليل نفسي وأخلاقي. هذا الاختيار البنائي يمنح النص طابعًا تأمليًا ويحرره من قيود السرد الزمني الخطي. فالفصول لا تتتابع وفق تصاعد حدثي تقليدي، بل وفق تطور الوعي الداخلي للشخصية المحورية، وهو ما يُعد نقطة قوة من حيث العمق الفكري، لكنه قد يمثل تحديًا لبعض القراء المعتادين على السرد القصصي المباشر.
ثالثًا: الشخصية المحورية (لورين)
تمثل شخصية لورين محور الخطاب الفكري في الكتاب، إذ تُقدَّم بوصفها نموذجًا للإنسان الذي اختير ليكون “مثاليًا”. لا تحمل لورين اسمًا ذا دلالة محلية واضحة، ما يمنحها بعدًا كونيًا ويجعلها قابلة للتمثيل الرمزي. تتطور الشخصية نفسيًا من حالة الامتثال والتماهي مع الصورة المفروضة، إلى حالة الصراع والانكسار، ثم إلى الوعي والتحرر. وقد نجحت الكاتبة في رسم هذا التحول الداخلي بلغة تعتمد على التأمل أكثر من الفعل، ما يعكس الطبيعة النفسية للنص.
رابعًا: البعد النفسي
يحضر التحليل النفسي بوضوح في ثنايا الكتاب، خاصة في ما يتعلق بمفهوم “الدافع للفعل”، حيث تحاكم الذات ذاتها وفق معايير صارمة. يتقاطع هذا الطرح مع مفاهيم معروفة في علم النفس مثل “الأنا الأعلى” والشعور بالذنب الناتج عن عدم الامتثال للتوقعات. تُظهر الكاتبة إدراكًا عميقًا لتأثير القمع النفسي طويل الأمد، وكيف يتحول الإعجاب الاجتماعي إلى عبء مرضي يهدد التوازن النفسي للفرد.
خامسًا: النقد الاجتماعي
يمثل المجتمع في الكتاب سلطة غير مرئية، لكنه فاعل أساسي في مسار السقوط. لا يُقدَّم المجتمع ككيان واحد متجانس، بل عبر أصوات متعددة تُجسَّد في “شهود الزيف”. توجه الكاتبة نقدًا واضحًا للنفاق الاجتماعي، ولنزعة إصدار الأحكام الأخلاقية دون فهم السياق الإنساني. ويُحسب للنص أنه لا يكتفي بإدانة المجتمع، بل يكشف آليات الإدانة نفسها، ويُظهر كيف يشارك الأفراد – بوعي أو دون وعي – في قمع المختلف.
سادسًا: اللغة والأسلوب
تتسم لغة الكتاب بالإثارة والتشويق، وتغلب عليها النبرة الفلسفية. تعتمد الكاتبة على الجمل الدالة المكثفة، والابتعاد عن الوصف الزائد، ما يمنح النص بعدًا فكريًا واضحًا. إلا أن هذا الأسلوب قد يؤدي أحيانًا إلى نوع من التكرار الدلالي، حيث تُعاد الفكرة الواحدة بصيغ متعددة، وهو ما قد يُفسَّر إما بوصفه تأكيدًا مقصودًا، أو إفراطًا أسلوبيًا في بعض المقاطع.
سابعًا: الدلالة الرمزية لمفهوم السقوط
يمثل “السقوط” في الكتاب محورًا دلاليًا أساسيًا. فهو لا يُطرح بوصفه فشلًا أخلاقيًا أو اجتماعيًا، بل كتحول وجودي. تعيد الكاتبة تعريف السقوط باعتباره لحظة وعي وانفصال عن الزيف، ما يضع النص ضمن سياق فكري يتقاطع مع الفلسفات الوجودية التي ترى في المعاناة طريقًا لاكتشاف الذات. هذه الرؤية تمنح الكتاب عمقًا فكريًا، لكنها تتطلب قارئًا واعيًا بالسياق الرمزي للنص.
ثامنًا: نقاط القوة
تتمثل أبرز نقاط القوة في:
عمق الطرح النفسي والاجتماعي.
البنية الرمزية المحكمة لفكرة المحاكمة.
نجاح الكاتبة في تحويل تجربة فردية إلى قضية إنسانية عامة.
الجرأة في تفكيك صورة الكمال المفروض اجتماعيًا.
تاسعًا: ملاحظات نقدية
على الرغم من القيمة الفكرية للنص، يُلاحظ غياب الحدث الخارجي الواضح، ما قد يحد من تفاعل بعض القراء. كما أن الطابع التأملي المكثف قد يجعل النص أقرب إلى المقال الفلسفي الممتد منه إلى العمل السردي، وهو خيار فني مشروع، لكنه يحدد فئة معينة من المتلقين.
خاتمة نقدية
يمكن القول إن رواية «محاكمة لورين: سقوط السيدة المختارة» يمثل إضافة مهمة إلى الأدب النفسي-الاجتماعي العربي المعاصر ورواية الجريمة. فهو نص يراهن على الوعي لا على الحكاية، وعلى السؤال لا على الإجابة الجاهزة. تقدم الدكتورة سمر عبد العظيم عملًا يدعو القارئ إلى مراجعة مفاهيم الكمال، والاختيار، والسقوط، ويضع الإنسان في مواجهة صادقة مع ذاته قبل أن يكون في مواجهة مع المجتمع.

د. سمر عبد العظيم استاذ الطب الشرعي بكليه الطب جامعه عين شمس