كيف يتأثر الخليج برسوم أمريكية جديدة على التعامل مع إيران؟
المرفأ- أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران. وذلك في منشور على منصته “تروث سوشال” في 12 يناير/ كانون الثاني الحالي، حينما كانت المؤشّرات جميعها تشير إلى اقتراب ضربة أمريكية على إيران التي كانت تشهد بعض مدنها احتجاجات تعدّ الأكبر منذ سنوات.
وأكّد ترامب حينها أنّ قراره أصبح ساري المفعول فوراً ولا رجعة فيه، مع العلم أنّه حتى لحظة كتابة هذا المقال لم يتبيّن إلى العلن أي إطار قانوني يدعمه.
فكيف سينعكس هذا القرار على شركاء إيران التجاريين في حال تطبيقه، لاسيما الإمارات وسلطنة عُمان، البلدين الخليجيين اللذين يتصدّران مشهد حجم التبادل التجاري (الصادرات والواردات) مع إيران فيما يتعلّق بدول الخليج؟
تخوفات عربية من “ردات فعل خطيرة” إذا هوجمت إيران، والبيت الأبيض يؤكد أن طهران علّقت 800 عملية إعدام
رغم التوتّرات السياسية المتقلّبة والمتفاوتة عبر العقود بين دول خليجية وإيران، إلّا أنّ ذلك لم يمنع استمرار التعاون التجاري بينهم، ما يشكّل معادلة معقّدة وغريبة لكّنها واقع قائم.
فاستمرار التعاون التجاري بين دول خليجية وإيران، رغم التوتّرات السياسية المتقلّبة، يعكس واقعية سياسية واقتصادية تقوم على مبدأ الفصل بين الصراع السياسي من جهة والحاجة الاقتصادية من جهة ثانية، حيث تُدار الخلافات ولا تُحسم، وتُؤجَّل المواجهة لصالح الحفاظ على المصالح الحيويّة للأطراف المعنية.
يعود ذلك إلى عوامل عدّة أبرزها الرغبة الخليجية في استخدام الاقتصاد كقناة تواصل غير سياسية تُدار عبر التبادل التجاري لتجنّب التصعيد والحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار، في وقت لعبت العلاقات الإيرانية الخليجية التجارية دور المتنفس التجاري لإيران في فترات العقوبات على مرّ السنوات الماضية.
كلّ ذلك يعكس متانة العلاقات التجارية بين دول الخليج وإيران لاسيما الإمارات العربية المتّحدة وسلطنة عُمان اللتين تعتبران الشريكين الأكبر لإيران في إطار دول مجلس التعاون الخليجي. فبحسب إحصاءات حديثة للبنك الدولي، تأتي الإمارات في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث حجم التبادل التجاري مع إيران.
وفقاً لدراسة حديثة للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، تستورد إيران من دول المجلس مجموعة متنوّعة من السلع، على رأسها الآلات والأجهزة الكهربائية، تليها التبغ والسجائر والمعدّات الميكانيكية، ثم الفاكهة والمكسّرات. وفي المقابل، تستورد دول الخليج من إيران المواشي والأغنام، والفاكهة والمكسّرات، والملح والأتربة والأحجار والإسمنت، تليها الخضروات، ثم الحديد والفولاذ.
ويُعدّ حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات العربية المتّحدة من الأكبر في المنطقة، ما يجعل الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، مع دور بارز للإمارات كمركز لإعادة تصدير السلع الإيرانية.
في عام 2024، بلغ حجم هذا التبادل حوالي 28.2 مليار دولار أمريكي وفقاً لتقارير اقتصادية حديثة. ومع ذلك، تشير مصادر أخرى إلى أرقام أقلّ تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار، لكّنها غالباً تركّز على التجارة المباشرة فقط، في حين تشمل الأرقام الأعلى التجارة غير النفطية وإعادة التصدير عبر الموانئ الإماراتية. وفي جميع الأحوال، تميل التقديرات الأكثر شمولاً ومنطقية إلى الأرقام القريبة من 28 مليار دولار.
في المقابل، برزت تقديرات أخرى عرضها المستشار الاقتصادي للقنصلية العامة الإيرانية في دبي، عارف عبّاسي، في مطلع العام الجاري، أفادت بأنّ حجم التبادل التجاري بين إيران وإمارة دبي يتراوح بين 40 و50 مليار دولار أمريكي سنوياً.
ولكن، وبغض النظر عن التفاوت في الأرقام واختلافها، تبقى الإمارات ثاني أكبر شريك لإيران على مستوى حجم التبادل التجاري.
أما سلطنة عُمان فقد بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين إيران في عام 2024، حوالي 1.33 مليار دولار أمريكي وفق بيانات رسمية من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في عُمان. ويُظهر هذا الرقم نمواً بنسبة 52 في المئة مقارنة بعام 2023 بحسب تصريحات سابقة لوزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُماني، قيس بن محمد اليوسف، خلال مايو/أيار الماضي، بالتزامن مع زيارة الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان للسلطنة.
فيما تشير آخر الأرقام الصادرة في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، إلى حجم تبادل تجاري بلغ 1.153 مليار دولار.
ولا بدّ من التوضيح هنا إلى أنّ الاختلاف في الأرقام يعود عادة إلى عوامل عدّة مثل التركيز على التجارة المباشرة مقابل الشاملة (بما فيها إعادة التصدير عبر موانئ عُمان والإمارات)، أو الفرق بين السنة الميلادية والإيرانية، أو تأثير العقوبات الدولية التي تجعل بعض البيانات غير كاملة.
نشير إلى كل ما تقدّم لتصوّر سيناريو محتمل حول العواقب التجارية التي ستتأثّر بها الإمارات وعُمان في حال نفّذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران.
نقول “سيناريو محتمل” لأنّ كلّ هذا يظلّ ضمن دائرة الفرضيات، إذ لم يصدر أي قرار رسمي عن جهة أمريكية مختصّة سوى ما صرّح به ترامب نفسه، ولم تُنشر أي وثائق رسمية تتعلّق بهذا القرار، أقلّه حتى الآن.
على الصعيد الرسمي، قال ثاني بن أحمد الزيودي، وزير الإمارات للتجارة الخارجية، إنّ الجهات المختصّة تدرس التداعيات المحتملة لقرار الولايات المتّحدة الأمريكية، مؤكّداً أنّ لهذا القرار انعكاسات كبيرة على الإمارات.
وأوضح الزيودي، خلال مؤتمر عُقد في أبو ظبي، بعد يوم من إعلان ترامب، أنّ إيران تُعتبر مورّداً رئيسياً لعدد من السلع الأساسية، ولا سيما المنتجات الغذائية، مشيراً إلى أنّ الحكومة تواصل تحليل السيناريوهات المحتملة في حال دخول القرار حيّز التنفيذ.
في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي الإماراتي نايل الجوابرة أنّ الإمارات تنظر بقلق إلى أي قرار أمريكي محتمل بفرض رسوم جمركية على التعاملات التجارية مع إيران، نظراً لحجم التبادل التجاري القائم بين الإمارات وإيران، إذ تُعدّ الإمارات الشريك التجاري الثاني لإيران، خصوصاً في ما يتعلّق بالصادرات الإيرانية المتّجهة إلى السوق الإماراتية. ويتركّز القلق بشكل أساسي برأيه على طبيعة هذه الرسوم، ونطاق تطبيقها، والمنتجات التي قد تشملها.
وأكّد الجوابرة في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي أنّ “المواد الغذائية تشكّل النسبة الأكبر من الصادرات الإيرانية إلى الإمارات، وهو ما يمنحها أهمية خاصة بسبب الفارق السعري الكبير بينها وبين المنتجات المستوردة من الولايات المتّحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي”. وبالتالي يشرح كيف أنّ “أي زيادة في الرسوم الجمركية ستؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار هذه السلع، ما سينعكس ضغطاً مباشراً على المستهلك داخل الإمارات”.
ويوضح الجوابرة أنّ اعتماد دولة الإمارات على الواردات الغذائية القادمة من إيران يعود بالدرجة الأولى إلى انخفاض أسعارها مقارنة ببدائل أخرى، في حين تبقى عمليات إعادة تصدير السلع الإيرانية عبر الموانئ الإماراتية أقلّ عرضة للتأثّر، باعتبار أنّ هذه البضائع تُنقل إلى أسواق خارجية ولا تشكّل عبئاً مباشراً على السوق المحلي. غير أنّ فرض الرسوم الجمركية الأمريكية، في حال تطبيقها، سينعكس بشكل أساسي على أسعار المواد الغذائية داخل الدولة، إذ قد يدفع إلى استيراد بدائل أعلى كلفة من دول أخرى، ما يؤدّي إلى زيادة الأعباء على المستهلك، بحسب قراءته.
ورغم ذلك، يشدّد الخبير الإماراتي على أنّ الإمارات تعتمد سياسة تنويع مصادر الاستيراد والتصدير، وتمتلك هامشاً اقتصادياً واسعاً للمناورة، إلى جانب استراتيجيات واضحة للأمن الغذائي. كما أشار إلى أنّ بلاده استثمرت خلال السنوات الأخيرة في تطوير الإنتاج الزراعي المحلّي باستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، في محاولة لتقليل الاعتماد على الخارج، خاصّة في ظلّ الطبيعة الصحراوية للمنطقة.
ويختم الجوابرة بالتأكيد على أنّ الموانئ الكبرى في الإمارات لن تتأثّر بهذه التطوّرات، نظراً لمحدودية الصادرات الإيرانية المُعاد تصديرها بسبب الحصار المفروض على طهران منذ سنوات، معتبراً أنّ الاقتصاد الإماراتي يملك بدائل متعّددة وقدرة عالية على التكيّف مع أي متغيّرات تجارية محتملة.
وفي ما يتعلّق بالحالة العُمانية، يوضح الخبير الاقتصادي العُماني خلفان الطوقي أنّ دول الخليج بشكل عام تتابع بحذر القرار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لكّنه أكّد في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي أنّ عُمان لن تتأثّر بالضرورة بشكل كبير، ذلك أنّها تُعتبر محطة ترانزيت لإعادة تصدير المنتجات الإيرانية وليست مصدراً رئيسياً مباشراً للصادرات إلى إيران ما يجعل تأثير أيّ رسوم جمركية أمريكية على الاقتصاد العُماني محدوداً نسبياً، ويقتصر بشكل أكبر على التجّار من دون أن ينعكس بقوّة على الاقتصاد الكلّي.
وفي ما يتعلق بالاستيراد، يوضح أنّ عُمان تستورد من إيران سلعاً مثل المواشي، ومواد البناء، والمواد الكيميائية، لكّنها لا تعتمد على إيران كمصدر وحيد، إذ تمتلك شبكة واسعة من الشركاء التجاريين القادرين على تعويض أي نقص، سواء من دول كلبنان والأردن، أو من القرن الأفريقي فيما يتعلّق بالماشية مثلاً، ما يجعل التأثير المحتمل ضعيفاً، بحسب تقديره.
ويرجّح الطوقي أنّ بلاده لن تتحمّل رسوماً جمركية بنسبة 25 في المئة نظراً لارتفاع الكلفة، بل ستتّجه إلى بدائل أخرى، خاصّة في السلع الغذائية، مؤكّداً أنّ الأمن الغذائي في عُمان لن يكون مهدّداً، بفضل الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، واتفاقيات التجارة الحرّة التي تتيح الاستيراد من عشرات الدول، مع اعتبار إيران مجرّد شريك من بين شركاء كُثر.
أما من ناحية الصادرات، فيشير إلى أنّ ما تصدّره عُمان إلى إيران يقتصر على مواد قابلة لإعادة التصدير مثل التبغ، والمستلزمات الطبّية، والمواد الكهربائية، لافتاً إلى أنّ المتضرّر الأكبر من أي تصعيد جمركي سيكون مراكز تجارية خليجية أخرى، وعلى رأسها دبي. ويرى أنّ الهدف الأمريكي من هذه السياسة هو إضعاف الاقتصاد الإيراني على المدى البعيد عبر رفع معدّلات التضخمّ والضغط الاقتصادي، بدل اللجوء إلى الخيار العسكري المؤجّل، وفق تعبيره.
وعلى الصعيد السياسي، يؤكد الطوقي أنّ سلطنة عُمان ستواصل دورها التقليدي كوسيط دبلوماسي و”واحة سلام” على حدّ تعبيره، لدعم أي مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن، معتبراً أنّ أي تصعيد عسكري سيشكّل تهديداً مباشراً ليس فقط لعُمان بل للمنطقة بأسرها. ويختم الخبير العُماني بالتأكيد على أنّ العلاقات العُمانية- الإيرانية لن تتأثّر جذريّاً في حال تراجع التبادل التجاري بينهما، إذ تحكم علاقتهما اعتبارات العرض والطلب.
بالتالي، يتّضح أنّ التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية على التعاملات مع إيران تحمل آثاراً متفاوتة على دول الخليج، تبعاً لطبيعة انخراط كلّ دولة في التبادل التجاري مع طهران.
ففي حين يبرز القلق الإماراتي من انعكاسات محتملة على أسعار السلع الغذائية والأمن الغذائي للمستهلك، تبدو سلطنة عُمان أقلّ تأثّراً بحكم تنوع مصادرها واعتمادها المحدود على إيران. ومع ذلك، فإنّ كلا البلدين يملكان هوامش اقتصادية وقدرات على التكيّف عبر تنويع الشركاء وتفعيل البدائل.
وفي نهاية المطاف، يبقى العامل الحاسم مرتبطاً بمدى جدّية تطبيق هذه الرسوم، وما إذا كانت ستُستخدم كورقة ضغط سياسية أم كإجراء اقتصادي طويل الأمد، في ظلّ ترابط المصالح الإقليمية وتشابكها.