قرار تعريب قيادة الجيش العربي… سيادة تُنتزع وإرادة هاشمية تصنع المجد

6٬577

 

المرفأ- هممٌ تعانق القمم، وعزيمة هاشمية لا تلين، وإرادة قائد امتلك شجاعة القرار وبصيرة الدولة، فخلّد بقراره التاريخي ملحمة وطنية ستبقى شاهدة على أن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة الأحرار. لقد شكّل قرار تعريب قيادة الجيش العربي محطة مفصلية في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، ونقطة تحوّل استراتيجية نقلت الأردن من اكتمال الاستقلال الشكلي إلى ترسيخ السيادة الوطنية الكاملة، وأسست لدولة حديثة قوامها الكرامة والعزة والقرار المستقل.

لقد أدرك المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، أن الجيش العربي، درع الوطن وسيفه وحارس استقلاله، لا يمكن أن يؤدي رسالته السامية ما لم تكن قيادته نابعة من صميم الوطن، مؤمنة بعقيدته، مخلصة لرايته، ومتجذرة في وجدانه. وكان يرى ببصيرته الثاقبة أن بقاء القيادة الأجنبية يشكّل قيداً على الإرادة الوطنية، وعائقاً أمام التطور، وانتقاصاً من هيبة الدولة وسيادتها.

ومن هذا الإدراك العميق، انطلق جلالته في تفكير استراتيجي مبكر لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية خالصة، تقودها كفاءات أردنية مخلصة، قادرة على النهوض بالجيش العربي إلى مصاف الجيوش المحترفة، عقيدةً وتنظيماً وتسليحاً.

وقد عبّر الحسين عن هذه الرؤية بوضوح في كتابه «مهنتي كملك»، مؤكداً أن تمكين الأردنيين ومنحهم ثقة القيادة، وفي مقدمتها قيادة الجيش، هو أساس ترسيخ الكرامة القومية وبناء الدولة القوية.

وفي الأول من آذار عام 1956، اتخذ جلالته قراره التاريخي الجريء بإنهاء خدمة الجنرال جون باغوت كلوب، المعروف بـ«كلوب باشا»، وكافة القيادات الأجنبية، ليعلن بذلك بداية عهد جديد من السيادة الوطنية الكاملة، ويعيد للجيش العربي هويته الأردنية العربية الأصيلة.

لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل إعلاناً سيادياً مدوياً بأن الأردن دولة حرّة الإرادة، لا تقبل الوصاية ولا ترضى التبعية، وأن جيشها جيش أبنائها، وقيادته حق خالص لأبنائه المخلصين. وبموجبه، جرى تعيين الزعيم راضي حسن عناب رئيساً لأركان حرب الجيش العربي، كأول أردني يتولى هذا المنصب، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من القيادة الوطنية.

استقبل الأردنيون القرار بفخر عارم واعتزاز كبير، لما حمله من استعادة للكرامة الوطنية، وتعزيز للثقة بالذات، وترسيخ لمسار الاستقلال الحقيقي. وأسهم التعريب في إحداث نقلة نوعية في بنية القوات المسلحة، فأفرز قيادات وطنية كفؤة سطّرت ملاحم البطولة في الدفاع عن الوطن وعلى ثرى فلسطين وفي مختلف ميادين الشرف والواجب.

كما أسس القرار لمدرسة عسكرية أردنية راسخة، قائمة على الاحتراف والانضباط والعقيدة الصلبة، لتغدو القوات المسلحة الأردنية نموذجاً يُحتذى إقليمياً ودولياً، وركناً أساسياً في منظومة الأمن والاستقرار.

وعلى النهج الهاشمي ذاته، واصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، مسيرة التحديث والتطوير، فشهد الجيش العربي في عهده نقلة نوعية شاملة، شملت إعادة الهيكلة، وتعزيز الجاهزية، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، والاستثمار في العنصر البشري، بما يواكب متطلبات العصر وطبيعة التحديات الحديثة.

واليوم، في ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي، يستحضر الأردنيون بكل فخر تلك اللحظة التاريخية الخالدة التي جسدت أسمى معاني السيادة الوطنية، وأكدت أن الإرادة الهاشمية كانت وستبقى عنوان المجد وصانعة التحولات الكبرى.

رحم الله الحسين الباني، صانع القرار ومجدد النهضة، وحمى الله الأردن بقيادة عبدالله الثاني، وليبقَ الجيش العربي المصطفوي، كما كان دوماً، درع الوطن وسيفه، وحصنه المنيع في وجه كل من تسوّل له نفسه المساس بأمنه واستقلاله.

 

قد يعجبك ايضا