من البحر الأحمر إلى البحر الميت: حين تصبح الجاذبية مهندسًا للماء والطاقة والحياة بقلم: د. محمد جودة
المرفأ نيوز- ليست كل الأفكار الكبرى تبدأ من أنبوب فولاذي ضخم، ولا من محطة ضخ هائلة، ولا من مليارات تُدفن تحت الأرض. أحيانًا تبدأ الفكرة من سؤال بسيط جدًا:
لماذا لا نترك الماء يذهب إلى حيث يريد أن يذهب… بقوة الجاذبية؟
بين خليج العقبة والبحر الميت توجد واحدة من أندر الفرص الطبيعية في العالم: بحر عند مستوى سطح البحر تقريبًا، وبحر آخر يقبع في أخفض نقطة على سطح الأرض، بنحو 430 مترًا تحت مستوى البحر. هذا الفرق الهائل في المنسوب ليس رقمًا جغرافيًا فقط، بل هو طاقة كامنة، وفرصة هندسية، ورؤية تنموية يمكن أن تغيّر شكل الممر الممتد من البحر الأحمر إلى البحر الميت.
الفكرة التي أطرحها هنا تقوم على مبدأ واضح:
استخدام الجاذبية كمحرّك.
بدل الاعتماد الكامل على شبكات طويلة من الأنابيب الضخمة ومحطات الضخ المكلفة، يمكن تخيّل نظام مفتوح أو شبه مفتوح ينقل مياه البحر الأحمر باتجاه البحر الميت عبر قناة تتبع الانحدار الطبيعي للتضاريس، مدعومة بسلسلة من الأحواض والخزانات والشلالات الاصطناعية، بحيث لا يكون الماء مجرد وسيلة نقل، بل مصدرًا للطاقة والجمال والحياة.
هذه ليست قناة ماء فقط.
إنها ممر مائي ـ طاقي ـ سياحي ـ بيئي، يمكن أن يجمع بين إنقاذ البحر الميت، وتوليد الكهرباء النظيفة، وخلق وجهات سياحية جديدة، وفتح فرص تنموية في مناطق تحتاج إلى مشاريع كبرى ذات أثر حقيقي.
الفكرة الجوهرية بسيطة: مياه مالحة من البحر الأحمر تدخل إلى نظام القناة، ثم تتحرك تدريجيًا بفعل الانحدار الطبيعي. وعند مواقع الهبوط الرئيسية، تُنشأ شلالات اصطناعية ومحطات كهرومائية صغيرة أو متوسطة، حيث يتم استغلال سقوط المياه لتدوير التوربينات وتوليد الكهرباء. وبعد كل مرحلة، يستمر الماء في الجريان نحو الحوض التالي، إلى أن يصل في النهاية إلى البحر الميت، مساهمًا في تعويض جزء من التراجع الحاد في منسوبه.
وهنا تكمن جاذبية الفكرة:
الماء لا يُنقل فقط… بل يعمل أثناء انتقاله.
في الأنظمة التقليدية، يكون نقل المياه عبئًا طاقيًا؛ أما في هذا التصور، فإن فرق المنسوب نفسه يتحول إلى مصدر للطاقة. نحن لا نقاوم الطبيعة، بل نتحالف معها.
قد يسأل البعض: لماذا قناة مفتوحة بدل خطوط أنابيب طويلة؟
الجواب أن القناة المفتوحة، متى ما سمحت التضاريس والشروط البيئية والهندسية، قد تكون أبسط في الإنشاء، وأسهل في الصيانة، وأقل كلفة من مدّ مئات الكيلومترات من الأنابيب ذات الأقطار الكبيرة. كما أنها تخلق مشهدًا حيًا فوق الأرض، لا مشروعًا مخفيًا تحتها. قناة يمكن رؤيتها، وزيارتها، وتطوير ضفافها، وتحويل أجزاء منها إلى بحيرات ومتنزهات ومناطق مشاهدة ومسارات طبيعية.
لكن هذا لا يعني أن الأنابيب غير ضرورية إطلاقًا.
في التصميم العملي، قد يكون الحل الأفضل هو نظام هجين: قناة مفتوحة أو أحواض مائية لمعظم المسار، مع استخدام أنابيب ضغط قصيرة “Penstocks” قرب محطات التوليد الكهرومائي. هذه الأنابيب القصيرة تُركز التدفق، وترفع كفاءة سقوط المياه، وتحسن أداء التوربينات، وتسمح بتوليد كهرباء أكبر من نفس كمية المياه.
بهذا المعنى، لا تكون المفاضلة بين قناة أو أنبوب، بل بين تفكير مغلق وتفكير مرن.
القناة للمسار العام، والأنبوب القصير حيث يحتاج التوربين إلى ضغط وكفاءة.
إن جمال هذا التصور أنه لا ينظر إلى مشروع البحر الأحمر ـ البحر الميت كمشروع إنقاذ مائي فقط، بل كمشروع وطني متعدد الأبعاد. فهو يمكن أن يساهم في رفع أو تثبيت منسوب البحر الميت، وينتج طاقة متجددة، ويخلق فرص عمل، ويفتح آفاقًا للسياحة البيئية، ويضيف إلى الأردن معلمًا هندسيًا وسياحيًا جديدًا: شلالات في قلب الصحراء، وبحيرات وسط التضاريس الجافة، وممر مائي يربط البحر بالحياة.
تخيّلوا طريقًا سياحيًا جديدًا يمتد من العقبة باتجاه البحر الميت، لا يعرض الصحراء كفراغ، بل كمساحة تتحول إلى طاقة ومناظر ومشاهد تعليمية. مدارس وجامعات تزور الموقع لفهم العلاقة بين الجغرافيا والطاقة. سياح يقفون عند منصات مشاهدة للشلالات. مجتمعات محلية تستفيد من خدمات ومطاعم ومتنزهات ومشاريع صغيرة. ومهندسون يرون في المشروع مختبرًا حيًا لفكرة نادرة: تحويل الانخفاض الطبوغرافي إلى قيمة وطنية.
ومع ذلك، لا بد من القول بوضوح إن هذا التصور يحتاج إلى دراسات جدوى دقيقة، بيئيًا وهيدرولوجيًا وجيولوجيًا واقتصاديًا. يجب دراسة أثر التبخر، والملوحة، والتربة، والزلازل، والتسرب، والتنوع الحيوي، وحقوق المياه، والتكلفة، والعائد، ومواقع المحطات، وطبيعة المسار، ومدى ملاءمة القناة المفتوحة في كل جزء من الطريق. فالفكرة الجميلة لا تصبح مشروعًا ناجحًا إلا عندما تمر عبر عقل الهندسة الصارم، لا عبر الخيال وحده.
لكن الخيال هو البداية.
والأردن يحتاج إلى أفكار كبرى لا تكتفي بحل مشكلة واحدة، بل تفتح أبوابًا متعددة في وقت واحد: ماء، طاقة، سياحة، بيئة، عمل، واستقرار تنموي.
إن مشروعًا كهذا، إذا دُرس بعناية، يمكن أن يحمل رسالة عميقة: أن أخفض نقطة على الأرض قد تصبح نقطة انطلاق لأعلى طموح. وأن البحر الميت، الذي طالما ارتبط بفكرة الانحسار والملوحة والانخفاض، يمكن أن يعود ليكون مركزًا لمشروع حياة وطاقة وجمال.
من البحر الأحمر إلى البحر الميت، ليست المسافة مجرد 170 كيلومترًا تقريبًا على الخريطة.
إنها مسافة بين طريقة تفكير تقليدية ترى الماء عبئًا، وطريقة تفكير جديدة ترى في الماء المتحرك فرصة.
الفكرة باختصار:
لا نضخ الماء عكس الطبيعة… بل نترك الطبيعة تعمل معنا.
لا ننقل الماء بصمت… بل نجعله يولّد طاقة، ويصنع مشهدًا، ويفتح مستقبلًا.
ولا ننظر إلى الجاذبية كقانون فيزيائي فقط… بل كمحرك تنموي للأردن.
هذه هي الرؤية:
قناة من البحر الأحمر إلى البحر الميت، لا بوصفها مجرى مائيًا فقط، بل بوصفها مشروعًا وطنيًا يربط الماء بالطاقة، والطبيعة بالسياحة، والهندسة بالأمل.
