لحماية استقلالية “الفيدرالي”: كيف وظّف جيروم باول علاقاته السياسية في الكونغرس لمواجهة ضغوط ترامب؟

5٬371

 

المرفأ- واشنطن — اعتاد رؤساء مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) السابقون على إدارة الأزمات وقرارات أسعار الفائدة بخلفيات اقتصادية وأكاديمية عميقة. إلا أن جيروم باول، القادم من خلفية في المحاماة والاستثمار، كان عليه اكتساب هذه المهارات وإتقانها في الميدان خلال ولاية مضطربة امتدت لـ 8 سنوات.

شهدت حقبة باول تقلبات اقتصادية حادة؛ حيث خفّض أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر وأطلق برامج شراء سندات تاريخية لمواجهة جائحة كوفيد-19، قبل أن يقود لاحقاً أسرع دورة تشديد نقدي (رفع للفائدة) منذ 4 عقود لكبح التضخم. كما أعاد صياغة استراتيجية البنك مرتين بشكل جذري، وكان الأكثر انفتاحاً وتواصلاً مع الجمهور مقارنة بأسلافه.

بناء الجسور السياسية: من الدبلوماسية إلى المساءلة

مع نهاية فترة قيادته، برزت مهارة باول الأهم بوصفه مصرفياً مركزياً في جهوده الهادئة لإعادة ترميم علاقة “الاحتياطي الفيدرالي” بالمسؤولين المنتخبين في الكونغرس.

وباعتباره ابناً لواشنطن، ومسؤولاً سابقاً في وزارة الخزانة وصانع صفقات، كان بناء العلاقات السياسية والمؤسسية أمراً طبيعياً لباول مقارنة بأسلافه، مثل جانيت يلين وبن برنانكي، اللذين حملا خلفيات أكاديمية رفيعة ونالوا جائزة نوبل في الاقتصاد.

ولم يكن هذا التقارب مجرد مجاملات سياسية، بل استند إلى رؤية باول التي ترى في الكونغرس:

المصدر الأساسي للرقابة والمساءلة على البنك المركزي.

خط الدفاع الأهم والدرع الحامي لاستقلالية “الفيدرالي” في إدارة الاقتصاد بعيداً عن ضغوط البيت الأبيض، لاسيما بعد خلافاته المبكرة مع الرئيس دونالد ترامب.

لغة الأرقام: باول الأكثر نشاطاً في أروقة الكونغرس

أظهر بحث حديث أجراه توماس دريكسل، الأستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة ميريلاند، عبر تحليل جداول الأعمال الرسمية لرؤساء الفيدرالي، أن باول كان أكثر نشاطاً وتفاعلاً داخل الكونغرس من يلين وبرنانكي، وأن لقاءاته مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) بلغت ذروتها خلال فترة رئاسة ترامب لحماية استقلالية البنك.

ومن المتوقع أن يسير كيفن وارش، الرئيس المنتخب المقبل للاحتياطي الفيدرالي، على النهج ذاته؛ كونه محامياً أيضاً ويتمتع بمهارات دبلوماسية واسعة ستكون حاسمة، خاصة إذا تمكن الديمقراطيون مستقبلاً من استعادة السيطرة على الكونغرس وتغيير قيادة لجان الرقابة الرئيسية.

انتقادات مستمرة ودعم حاسم في الأزمات

رغم هذه الجهود، لم ينجح نهج باول في كسب تأييد الجميع. ففي عام 2025، وجّه السيناتور الجمهوري بيرني مورينو انتقادات لاذعة لباول خلال جلسات استماع لجنة الخدمات المصرفية، واصفاً إياه بأنه “شخصية مفرطة في التسييس ألحقت ضرراً بالفيدرالي”، وهو رأي شائع بين أنصار ترامب.

ومع ذلك، أثبتت شبكة العلاقات هذه فعاليتها في الأسابيع الأخيرة؛ حيث هبّ أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ لدعم باول في مواجهة خلافه مع إدارة ترامب بشأن تحقيق جنائي جرى إسقاطه لاحقاً.

وأشارت البيانات إلى أن باول عقد 11 اجتماعاً خلال سنوات رئاسته مع السيناتور الجمهوري النافذ توم تيلبس، والذي أسهم بشكل مباشر في تعطيل ترشيح “وارش” كأداة ضغط مع تصاعد الأزمة، مما أجبر الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف على التراجع عن التحقيق.

قراءة الخبراء:

يرى الاقتصادي توماس دريكسل أن تواصل باول مع المشرعين كان “منهجياً ومنظماً”، وأنه عمل بشكل نشط واستباقي مع الكونغرس لبناء جدار حماية سياسي صلب يصون استقلالية القرار النقدي للبنك المركزي الأمريكي أمام رياح الضغوط السياسية القادمة من البيت الأبيض.

قد يعجبك ايضا