بين التحول والتمكين: كيف نقلت 30 يونيو الدولة إلى عصر التنمية؟ بقلم الدكتورة :زهراء عبد الجواد 

3٬225

 

المرفأ نيوز- تحمل ذكرى الثلاثين من يونيو معاني تتعدى المجال السياسي المباشر، لتكون نموذجاً حياً في دراسات التنمية المجتمعية وعلم النفس الاجتماعي فقبل سنوات، واجه المجتمع تحديات كثيرة معقدة أثرت على السلام الاجتماعي والنفسي للمواطن، واليوم ومن خلال التحليل العلمي كيف استطاع التخطيط والسياسة الاجتماعية المنظمة، بالتوازي مع التنمية الذاتية، تحويل الأزمات الكبرى إلى فرص للبناء والنمو، ففي علم الاجتماع السياسي، تُعرف الأزمات الحادة بأنها أزمات سريعة وقوية تهدد استقرار النظام السياسي والاجتماعي، وتسبب خللاً في قدرة الدولة، و تؤدي هذه الأزمات إلى توقف المؤسسات، وتحتاج إلى قرارات سريعة واستثنائية للسيطرة عليها.

لم يكن تخطي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مجرد صدفة، بل جاء اختبار فعلي لمرونة الدولة نتيجة تغيير جذري في فكر السياسة الاجتماعية من خلال توفير شبكات الأمان الاجتماعي الذكية وعن طريقها يتم الانتقال من الدعم العشوائي إلى برامج الحماية الاجتماعية المناسبة للأسر المصرية مثل برنامج (تكافل وكرامة)، مما ساهم في خفض حدة الفقر وتأمين الفئات الأكثر احتياجاً وتوفير حياة كريمة لهم، وأيضاً كانت التنمية العمرانية أداة لجودة الحياة من خلال القضاء على العشوائيات وبناء مدن الجيل الرابع لم يكن فقط توفير سكن، بل إعادة تشكيل للبيئة الاجتماعية التي تؤثر على سلوك الفرد وتقلل من الجريمة والتوتر المجتمعي، وتوفير سكن مناسب لكل المصريين حيث أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية عن برنامج سكن كل المصريين بالشراكة مع المطورين العقاريين وذلك من أجل إتاحة وحدات سكنية بأسعار معقولة تتناسب مع القدرات المالية للفئات المختلفة، وأيضاً مبادرة “حياة كريمة” حيث أُطلقت لتحسين حياة الناس وتطوير البنية التحتية في القرى والمناطق الأكثر حاجة، وتشمل الخدمات سكن جيد، وتطوير الصحة والتعليم، والتمكين الاقتصادي.

التنمية الذاتية وتمكين المواطن هي الوقود الحقيقي للتغيير

السياسات الناجحة تحتاج الى استجابة واسعة من الشعب وهنا لابد من توفير التنمية الذاتية لأفراد من خلال تطوير رأس المال البشري كأداة لتخطى الأزمات، إن الوعى المجتمعي هو الخط الأول للدفاع والتكيف وتحويل الصعوبات والتحديات الى فرص من أجل اكتساب مهارات جديدة تميز الشخصية المصرية وتساعد المجتمع على عبور الأزمات في الفترات الانتقالية المختلفة، والعمل على توجيه قدرات الشباب نحو التعلم الذاتى واكتساب مهارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى مما يقلل الفجوة بين التعليم وسوق العمل مما يساعدهم على تخطى البطالة ومواكبة سوق العمل، يوجد الكثير من الشباب لديهم الكثير من الأفكار والمشاريع المختلفة من خلال استثمار الفكر الشبابى واطلاق مبادارات فردية ومشروعات ناشئة سنتحول من الوظيفة النمطية الذي ينتظرها الشباب الى ريادة الأعمال والاعتماد على الذات بدلاً من الاعتماد على الدولة بشكل مباشر.

ومن منظور علم النفس التحليلي، مرّت الشخصية المصرية بشكل جماعى بمراحل تشبه إلى حد كبير مراحل التعافي من الصدمات:

صدمة غياب الاستقرار ──> مرحلة المقاومة والصمود ──> التعافي والإنتاجية

الشخصية المصرية لها الكثير من الملامح النفسية في مرحلة البناء التي من خلال لها استطاعت أن تتحدى وتصمد أمام الكثير من الأزمات فهي شخصية تتسم بالقوة والصمود والمعافرة والقدرة على التحدي وتحمل المسؤولية، ولديها الصلابة النفسية (Psychological Hardiness)حيث أظهرت التحليلات السلوكية قدرة استثنائية للمواطن على تحمل الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الإصلاح، مدفوعاً بـ “الأمل الواقعي” والقدرة على التحمل لرؤية ثمار المشروعات في الواقع ، وفي فترات الفوضى، يرتفع شعور الفرد بالاغتراب (Alienation)، والشعور بالخوف والرهاب الاجتماعي على مستقبلهم ومستقبل أولادهم ويأتي سيناريو بعض الدول المختلفة أمام الجميع ويشعر البعض بالقلق لكن بفضل قوة رجال القوات المسلحة المصرية والشرطة والقضاه الشرفاء المخلصين وقوة الشعب المصري ودعمه لقياداته عادت هيبة الدولة واستعاد الفرد شعوره بالانتماء والأمان، وعادة عجلة الحياة مرة أخري، وهى شرط أساسي للصحة النفسية والإنتاجية، وتحولت الشخصية من الاستهلاك والترقب إلى التخطيط للمستقبل، والبحث عن الاستقرار المستدام بدلاً من الحلول المؤقتة.

وفي النهاية إن 30 يونيو لم تكن مجرد تاريخ لتغيير المسار، لقد حققت ثورة 30 يونيو العديد من المكاسب والتي على رأسها تخلص الشعب المصري من الخوف والقلق ونظام لم يستطع تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة الضرورية للشعب المصري كما أصبح الشعب لديه القدرة للمبادرة برأيه وإثبات أن الشعب لم يصمت على الظلم والفساد مرة أخري بل كانت نقطة انطلاق لـ “عقد اجتماعي جديد”، وإن تكامل التخطيط العلمي للسياسات الاجتماعية مع مرونة الشخصية وقدرتها على التنمية الذاتية، هو الصيغة الاجتماعية التي جعلت من تخطي الأزمات المظلمة حقيقة ملموسة، تفتح الباب لمستقبل أكثر استقراراً ونمواً.

قد يعجبك ايضا