يونيو… حين أصبح الاستثمار في الإنسان قضية وطن بقلم: د. لمياء عفرة

59

30 يونيو… حين أصبح الاستثمار في الإنسان قضية وطن

بقلم: د. لمياء عفرة

لا تُقاس التحولات الاستراتيجية في حياة الدول بحدود الحدث السياسي ذاته، وإنما بما تُحدثه من إعادة صياغة لأولويات الدولة وإعادة تعريف لمصادر قوتها الشاملة. ومن هذا المنطلق، تمثل ذكرى الثلاثين من يونيو محطة تستحق القراءة بوصفها نقطة تحول في فلسفة إدارة الدولة المصرية، التي انتقلت تدريجيًا من التركيز على إدارة التحديات الآنية إلى تبني رؤية أكثر شمولًا، تضع الإنسان في قلب معادلة الأمن القومي والتنمية المستدامة.

لقد أثبتت الخبرات الدولية أن الدول التي تنجح في ترسيخ استقرارها ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للموارد، وإنما الأكثر قدرة على توظيف رأس مالها البشري باعتباره المورد الاستراتيجي الأكثر استدامة. ومن هنا، لم يعد الاستثمار في الإنسان مجرد أحد محاور التنمية، بل أصبح قضية وطن، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكفاءة مؤسسات الدولة، وقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وتعزيز تماسكها الداخلي في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من التعقيد.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة السنوات الماضية باعتبارها مرحلة لإعادة بناء القدرات الوطنية، ليس فقط من خلال المشروعات القومية، وإنما أيضًا عبر تنمية الكفاءات البشرية، وإعداد القيادات، وتوسيع دوائر مشاركة الشباب والمرأة في مواقع المسؤولية. ولم يكن هذا التوجه استجابة لاعتبارات تمثيلية فحسب، بل يعكس تحولًا في إدراك الدولة بأن تجديد النخب وضخ الكفاءات يمثلان ركيزة أساسية لتعزيز الكفاءة المؤسسية واستدامة عملية صنع القرار.

غير أن الاستثمار في الإنسان لا يقتصر على التأهيل الوظيفي أو إعداد القيادات، بل يمتد إلى بناء الوعي الوطني، باعتباره أحد أهم مكونات القوة الشاملة للدولة. فالوعي المجتمعي لم يعد قضية ثقافية فحسب، بل أصبح عنصرًا حاكمًا في حماية الأمن الوطني، في ظل تصاعد الحروب المعلوماتية، وتنامي تأثير الشائعات، ومحاولات التأثير على الإدراك العام عبر الفضاء الرقمي. ومن ثم، فإن بناء مواطن يمتلك القدرة على التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وإدراك حجم المسؤولية الوطنية، يمثل استثمارًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو الاقتصاد.

وفي هذا السياق، تتكامل أدوار مؤسسات الدولة مع الأسرة، والتعليم، والإعلام، والثقافة، لتشكيل منظومة متماسكة لإنتاج الوعي وتعزيز قيم الانتماء والمشاركة. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالسياسات العامة وحدها، وإنما بمنظومة مجتمعية تؤمن بأن الإنسان هو محور التنمية، وغايتها في الوقت ذاته.

ومن منظور استراتيجي، فإن الاستثمار في الإنسان يمثل الضمانة الأكثر استدامة لتعزيز المرونة الوطنية، إذ يمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة الأزمات، واستيعاب المتغيرات، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، بما ينعكس إيجابًا على كفاءة الأداء المؤسسي واستقرار مسارات التنمية.

وفي ذكرى الثلاثين من يونيو، تبدو الرسالة الأهم أن بناء الدول لا يكتمل ببناء العمران وحده، وإنما يبدأ ببناء الإنسان؛ لأنه يظل الفاعل الرئيس في حماية المنجزات، وصناعة المستقبل، وترسيخ دعائم الدولة الوطنية. وحين يصبح الإنسان محور الرؤية التنموية، يصبح الاستثمار فيه استثمارًا في أمن الوطن، واستقراره، وقدرته على مواجهة تحديات الغد بثقة واقتدار.

حفظ الله مصر، قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل الاستثمار في الإنسان ركيزةً راسخةً لمسيرة التنمية، وضمانةً لاستمرار قوة الدولة وتماسكها.

قد يعجبك ايضا