الفينيق: بطالة الشباب في الدول العربية الأعلى عالمياً.. وتحذير من “مستقبل قاتم” إذا استمرت السياسات الحالية

3٬288

 

عمّان – المرفأ الاخبارية- الأحد 16 آب 2026

حذّر مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية من أن المنطقة العربية تواجه أزمة عميقة ومتفاقمة في تشغيل الشباب، مؤكداً أن استمرار السياسات الاقتصادية الحالية دون مراجعة جادة ينذر بـ”مستقبل قاتم” لقطاعات واسعة من الشباب العرب.

جاء ذلك في تقرير للمركز حلّل فيه نتائج تقرير منظمة العمل الدولية حول “الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026″، الذي كشف أن الدول العربية سجّلت أعلى معدل بطالة شبابية بين أقاليم العالم كافة.

وبحسب التقرير، بلغ معدل بطالة الشباب في الدول العربية 26.2 بالمئة عام 2025، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي البالغ 12.4 بالمئة، ليصل عدد العاطلين عن العمل من الشباب في المنطقة إلى نحو 2.6 مليون شاب وشابة، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 2.8 مليون بحلول عام 2027، فيما سيبقى معدل البطالة عالقاً عند نحو 26 بالمئة خلال السنوات المقبلة.

وأشار مركز الفينيق إلى أن التعافي المحدود الذي شهدته أسواق عمل الشباب عالمياً بعد جائحة كورونا توقف، إذ عاد معدل بطالة الشباب العالمي إلى الارتفاع ليبلغ 12.4 بالمئة عام 2025، بعدما كان قد سجّل أدنى مستوى له خلال عقدين في عام 2023، ليصل عدد العاطلين عن العمل من الشباب عالمياً إلى 67.3 مليون شخص. ولفت المركز إلى أن احتمال تعرّض الشاب للبطالة أصبح يفوق ثلاثة أضعاف احتمال تعرّض الشخص البالغ لها، في مؤشر على تزايد صعوبة حصول الداخلين الجدد على فرصة العمل الأولى.

ولفت التقرير إلى أن المؤشر الأكثر خطورة يتمثل في نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً، والتي بلغت في الدول العربية 32.4 بالمئة عام 2025، أي أن نحو واحد من كل ثلاثة شباب عرب موجود خارج منظومتي التعليم والعمل معاً، بواقع 11.6 مليون شاب وشابة، يُتوقع أن يرتفع عددهم إلى 12.2 مليون بحلول عام 2027. وحذّر مركز الفينيق من أن طول أمد هذا الوضع يزيد من فقدان المهارات والثقة بالمؤسسات، ويجعل عودة هذه الفئة إلى النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

من أبرز ما رصده التقرير أن التعليم العالي لا يشكّل في المنطقة العربية طريقاً مضموناً إلى العمل، بل على العكس؛ إذ يبلغ معدل البطالة بين الشباب من حملة الشهادات الجامعية نحو 25.6 بالمئة، مقابل 8.6 بالمئة فقط بين حملة الثانوية العامة و9 بالمئة بين ذوي التعليم الأساسي. وعزا مركز الفينيق هذه المفارقة إلى ضعف قدرة الاقتصادات العربية على توليد وظائف تتناسب مع المستويات التعليمية المتصاعدة للشباب، في ظل استمرار اعتماد هذه الاقتصادات على قطاعات محدودة القيمة المضافة.

كما كشف التقرير عن فجوة جندرية حادة في سوق العمل العربي، حيث بلغ معدل الشابات اللواتي لا يعملن ولا يدرسن ولا يتلقين تدريباً 27.4 بالمئة عالمياً مقابل 13.1 بالمئة بين الذكور، مع تفاقم هذه الفجوة في المنطقة العربية وشمال أفريقيا نتيجة أعباء الرعاية المنزلية غير مدفوعة الأجر، وضعف خدمات الحضانة، والتمييز في سوق العمل، ومحدودية فرص النقل الآمن. ونبّه المركز إلى أن تراجع الفجوة التعليمية بين الجنسين في العديد من الدول العربية لم يترجم بعد إلى مكاسب اقتصادية موازية للمرأة.

وحذّر المركز من أن التحول التكنولوجي المتسارع، وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي، يدخل إلى أسواق عمل عربية تعاني أصلاً اختلالات هيكلية عميقة، ما قد يجعل تأثيراته أكثر حدة على الشباب مقارنة بمناطق أخرى من العالم. وبحسب التقرير الأممي، فإن نحو 6.1 بالمئة من وظائف الشباب عالمياً معرّضة بدرجة عالية لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، ويمكن أن يفقد نحو 5.6 مليون شاب وشابة وظائفهم إذا اختفى 10 بالمئة فقط من هذه الوظائف.

وأشار المركز إلى أن الوظائف متوسطة المهارة، كالأعمال المكتبية والإدارية التي شكّلت تقليدياً بوابة دخول الشباب العربي إلى سوق العمل، هي من بين الفئات الأكثر عرضة للتراجع.

واعتبر مركز الفينيق أن استمرار هذه الاختلالات لا يقتصر أثره على سوق العمل، بل يمتد إلى تأخير استقلال الشباب اقتصادياً، وإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، وتوسيع التفاوت الاجتماعي، وإضعاف الثقة بالمؤسسات والسياسات العامة، بما يرفع احتمالات التوترات الاجتماعية والسياسية. وشدد المركز على أن هذه التحديات لا يمكن مواجهتها بأدوات أمنية، لأنها في جوهرها أزمة اقتصادية وحقوقية تستدعي معالجة جذرية.

وطالب مركز الفينيق حكومات المنطقة العربية بالانتقال من التعامل مع تشغيل الشباب باعتباره ملفاً قطاعياً محدوداً تديره وزارات العمل، إلى جعله هدفاً مركزياً لكل السياسات الاقتصادية والاستثمارية، عبر تقييم هذه السياسات بناءً على قدرتها الفعلية على خلق فرص عمل لائقة، لا فقط بمعدلات النمو الاقتصادي الكلي.

كما دعا إلى توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل أنماط العمل الجديدة، والاستثمار في القطاعات عالية القيمة المضافة كالصحة والتكنولوجيا والهندسة، وبناء أنظمة تعليم وتدريب مرنة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

 

 

 

قد يعجبك ايضا