واقعُ التعليم العالي في المئوية الأولى للدولة الأردنية: المُعضلات والحلول •بقلم الأستاذ الدكتور مشهور

0 80

المرفأ…واقعُ التعليم العالي في المئوية الأولى للدولة الأردنية: المُعضلات والحلول
• الأستاذ الدكتور مشهور الرفاعي/ رئيس جامعة الأميرة سميّة للتكنولوجيا
منذ نشأة الدولة الأردنية كان الرهانُ منصبّاً على الإنسان، وما يمثّله من ثروات لا تنضبُ، وقد أدركت القيادة السياسية الحكيمة، أنّه وفي ظلِّ محدودية الإمكانات عليها الركون إلى رأس المال البشري هذا (Human Capital)، فكان التعليم سلعةً أساسية برع الأردنيون في إنتاجها وتسويقها على مستوى المنطقة.

يؤدي قطاع التعليم العالي دوراً كبيراً في التنمية الشاملة، وقد تطوّر منذ تولي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم سلطاته الدستورية، وخطا خطوات كبيرة. وتعد الخطة الاستراتيجية الوطنية للموارد البشرية (2025 – 2016) خريطة طريق لهذا القطاع، متضمّنة مبادئ أساسية تتمثّل في توفير فرص عادلة للطلبة المؤهلين، الجودة/رفع معايير مخرجات الأبحاث العلمية، المساءلة/ تحفيز الجامعات على تحمّل مسؤولية أكبر في تحقيق الأهداف الوطنية، الابتكار/ وتبني أفضل الممارسات الدولية في التدريس والتعليم، أنماط التفكير/ زيادة وعي الجهات المعنية بأهمية التعليم العالي.
وعلى الرغم من بعض الإنجازات، إلا أننا لم نشهد في السنوات الأخيرة التقدم المأمول في جودة التعليم الجامعي ومخرجاته، وأن جامعاتنا ما زالت بعيدة عن المنافسة على المستوى العالمي، إذ لم تتمكّن أيةُ جامعة من الوصول إلى قائمة أفضل 500 جامعة عالمياً في التصنيفات العالمية، وعلى ما يبدو فإنّ تعاقب إدارات جامعية غير كفؤه ساهم في هذا التراجع.
تكادُ تغيب الاستقلالية عن الجامعات؛ ولهذا ستظل تعاني من الارتجال في بعض قرارات مجلس التعليم العالي، التي تتخطّى صلاحيات الجامعات ومجالس الأمناء، وقد رأينا أن بعضاً من تلك القرارات غير مدروسة تم إلغاؤها فيما بعد، كما وتعاني الجامعات من عدم ثبات التشريعات الناظمة لعملها، ومن التغيير المستمر على قوانين التعليم العالي والجامعات الأردنية، وغياب خصوصية الجامعة عند المشرّع، ناهيك عن غياب الشفافية في آلية اختيار رؤساء وأعضاء مجالس الأمناء، وعدم ثبات إدارات الجامعات، وعدم الشعور بالأمان الوظيفي، وتشوه الحاكمية من رئاسة القسم الأكاديمي وصولاً إلى مجلس الأمناء، لذا لا بدَّ من وضع ضوابط ومعايير دقيقة في إسناد المناصب القيادية إلى مستحقيها.
من جهة ثانية يعودُ السبب في تدني جودة التدريس في الجامعات، وافتقارها إلى البيئة المولدة للإبداع، وعدم امتلاك خريجيها للحدّ الأدنى من المهارات المؤهلة لسوق العمل، يعود ذلك كله إلى سياسة الانفتاح في القبول، وزيادة أعداد طلبة الشعبة الواحدة، وعدم تمكّن الجامعات الحكومية من تحديث تجهيزاتها بسبب الضائقة المالية، وإن أردنا رفع مستوى التعليم إلى ما يوازيه في الجامعات العالمية، لا بدّ من ضبط الأمور السابقة، والعمل على دمج التكنولوجيا في التعليم، والتشدّد في تطبيق معايير الاعتماد لتشمل كفاءة أعضاء هيئة التدريس وتأهيلهم، والامتحانات، والخطط الدراسية ومواءمتها لسوق العمل، ودعوة محاضرين من الصناعة لتدريس بعض المحاضرات ضمن المقررات الدراسيـة (Industry in the classroom) لتغطية الجوانب التطبيقية، والعمل على تدويل التعليم العالي من خلال برامج مشتركة مع جامعات عالمية، وتبادل زيارات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس.
ومن بابٍ هامٍ فإنه ورغم أنّ الجامعات تخصّص ما نسبته 5% من ميزانيتها السنوية للبحث العلمي والابتعاث، إلا أنها تعاني ضعفاً في انتشار ثقافة البحث العلمي، وتدني جودته، وغياب الابتكار والإبداع، وعدم تأثير نشر الأبحاث على الساحة الدولية، وذلك لأن غالبية النشر العلمي في الجامعات ركّز على نشر الأبحاث بغرض الترقيات الأكاديمية.
ولهذا لا بدَّ من رفع مستوى البحث العلمي، وربطه بأهداف التنمية الوطنية الشاملة، وتوجيهه نحو حلّ المشكلات ذات الأولوية الوطنية، ورفع الأسوار بين الجامعات بغرض التعاون وتعزيز البحث العلمي المشترك، وتخصيص 1% من صافي أرباح الشركات المساهمة العامة لصالح صندوق دعم البحث العلمي، وتخصيص جزء من وارداته لدعم خفض العبء التدريسي عن الباحثين المتميزين.
كما وأؤكّدُ على ضرورة تقليص الفجوة بين الأكاديميا والصناعة، والعمل على زيادة ثقة القطاع الصناعي بالجامعات، بحيث يستثمرُ في البحث العلمي فيها، للوصول إلى تشاركية تنموية.
في الجوهر نرى أن نظام القبول الموحد للجامعات يعاني من تشوهات، إذ يفتقر إلى التنافسية، ولا يراعي رغبة الطلبة وطموحاتهم، ولهذا لا بدّ من إعادة النظر بمعاييره وأسسه، وعدم الاعتماد على نتائج الثانوية العامة كأساس وحيد للقبول، وتوفير فرص قبول عادلة ونزيهة لجميع الطلبة، باستحداث امتحانات قبول تأخذ بعين الاعتبار ميول الطالب وقدراته ومهاراته، وقد حصل في السنوات الماضية توسع في آلية قبول الطلبة، والتي تخالف معايير الاعتماد العام والخاص، كما تمّ قبول أعداد من طلبة تفوق الطاقة الاستيعابية للجامعات، ورافق ذلك توسع في قبولات برامج الدولي والموازي على حساب جودة المخرجات.
البيئة الجامعية هي الأداة الفاعلة في وجود مخرجات متميزة وكوادر علمية معدة إعداداً جيداً إذا توفرت فيها المقومات الأساسية الجاذبة التي تساعد على النهوض بالعملية التعليمية والرقي بها إلى بر الأمان. ويتشكل هذا المفهوم من عناصر لها علاقة بالتأثير على شخصية الطالب بدءاً من المحتوى التعليمي وأعضاء هيئة التدريس والإدارة الجامعية والتفاعل الإنساني بين أعضاء هيئة التدريس والطلبة، ومروراً بالأنشطة العلمية والأدبية والثقافية والرياضية والاجتماعية والترفيهية وغيرها، ووصولاً إلى مرافق وتجهيزات مختلفة تقدمها الجامعة لأجل خدمة الطلبة.
تشكّل هذه العناصر المناخ الذي تنمو فيه شخصية الطالب، ولذلك فإن الجامعة ليست مكاناً للتعلم فحسب، إنما مجتمع يتفاعل فيه الطلبة، ومن هنا فإن الأنموذج الأمثل هو الجامعة التي يستشعر طلبتها بروح الانتماء إليها، والانخراط في فعالياتها، فيجدون أنفسهم ينتمون وبوازع داخلي وذاتي لأنديتها ومجالسها وجمعياتها، ويشاركون بأنشطتها، مما يزيد دافعيتهم للإنتاج والعطاء.
رغم أن التشريعات كانت تسمح بتدريس 25% من المساقات إلكترونياً قبل جائحة كورونا، إلا أن جامعاتنا وبسبب خوفها على اعتماداتها وسمعتها، تأخرت في مواكبة ما هو حديث في موضوع التعلم الإلكتروني؛ حتى اضطرتها جائحة كورونا إلى الانخراط المباشر فيه، ولهذا فغني عن القول إن هذا التعلم يمتاز بالمرونة في الجدول الزمني، والسهولة في متابعة وضع الطالب، ومراجعة المساقات، وبقلة التكاليف على طرفي العملية التعليمية. لكن ورغم الشوط الطويل الذي قطعته الجامعات في مسار التعليم الإلكتروني إلا أن أمامنا تحديات كبيرةً للوصول إلى تعلم إلكتروني مواكب للعصر، كإعداد المساقات والبرامج الإلكترونية إعدادًا مكثّفًا وضمان جودتها، ودراسة تأثيرها على الاعتمادات الدولية والوطنية للجامعات، وتأهيل المدرسين، وتوفير موارد حوسبة إضافية كالخوادم والتخزين وغيره، والانتباه إلى جاهزية الطلبة من حيث توافر الحواسيب واشتراك إنترنت.
ولإنجاح التجربة، أرى أنه لا بدّ من تغيير تشريعات التعليم العالي بما يضمن العمل بالاتجاه الجديد سواء على مستوى المساقات أو إنشاء برامج إلكترونية موازية للبرامج التقليدية أو حتى جامعات افتراضية (Virtual Universities). واتخاذ قرار بشأن مستوى التعلم الإلكتروني الذي ترغب كل جامعة في تحقيقه، وتخصيص ميزانية في الجامعات لهذه العملية.
أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم على أهمية وجود نظام متطور للتعليم والتدريب المهني والتقني وتم التأكيد على أهمية ذلك في الخطط الرئيسية مثل “رؤية الأردن 2025″، والاستراتيجية الوطنية للتشغيل، وبالرغم من إحراز تقدم في هذا المجال خلال السنوات الماضية، فإن التصورات السلبية عن هذا النوع من التعليم بين الطلاب وأسرهم ما زالت هي السائدة، حيث ينظر إلى هذا المسار على أنه من الدرجة الثانية للطلاب.
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم المتقدم تحولاً منذ عقود باتجاه التعليم المهني والتقني لأن هذا التعليم إضافة للتعليم الهندسي هو عنوان التقدم لجميع الدول الصناعية الكبرى، فإن معظم الدول العربية تعاني من ضعف الإقبال على التعليم التقني حيث تتراوح نسبة الملتحقين بهذا النـوع مـن التعليـم من إجمالي المسجلين في التعليم العالي في الوطن العربي بيـن 10% – 35% أي أن الهرم مقلوب، ويواجه سوق العمل تضخماً واضحاً في عدد خريجي الجامعات من البرامج الأكاديمية غير المهنية، كما يعاني نقصاً كبيراً في المهنيين والفنيين.
هناك هجرة ملموسة للكفاءات الأكاديمية من الجامعات ولهذا أسباب من أهمها البحث عن بيئة بحثية محفزة، والبحث عن فرصة لزيادة الدخل، أو لاستكمال المشاريع البحثية التي بدأها عضو هيئة التدريس أثناء دراسته في جامعة الدراسة، أو للاطلاع على التجارب العالمية ومحاولة الانخراط فيها لاكتساب الخبرة، وكذلك شعور بعض أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات بعدم الراحة في الحرم الجامعي والمنطقة المحيطة.
وكلّنا يعلم ما تعنيه الهجرة كنقص الخبرات والكفاءات المحلية ناهيك عن ما تم إنفاقه على الأكاديميين للوصول إلى هذه المرحلة، وكذلك النفقات التي سيتم إنفاقها على من سيحلون مكان المهاجرين، لا سيما في بعض المجالات الحساسة، إضافة إلى خطورة تقلب أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة، وما ينجم عنه من جهد التوظيف البديل والتدريب.
ومن الحلول المقترحة للحدّ من هجرة الكفاءات الأكاديمية: سنّ تشريعات واضحة لتقديم منح للجامعات من قبل القطاع الخاص، وربطها بتخفيض العبء التدريسي. توفير المكان والمعدات المناسبة للباحثين وعقد الاتفاقيات الدولية التي تسمح لهم بالزيارات البحثية. إيجاد نظام حوافز في الجامعات لتشجيع الأساتذة على العمل البحثي والتدريسي.
ومن خلال تجربتي في رئاسة جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، فهي وبتوجيهات من صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن المعظمة، رئيس مجلس أمناء الجامعة، سعت إلى العالمية بكل ما تعنيه الكلمة، وإلى أن تكون جامعة بحثية، وأن تجمع بين الأكاديميا والصناعة، وتتوخّى حاجات السوق الدقيقة المتغيرة، مع حرصها على إقامة شراكات استراتيجية مع جامعات مرموقة ومؤسسات صناعية تدعم هذا التوجه، وعملها الدؤوب على تطوير خططها باستمرار، وتوفيرها لبيئة جامعية ملائمة لطلبتها ومراعية لكل حاجاتهم، لذا فإن هذه الجامعة؛ تصلح أن تكون مثالاً قابلاً للتطبيق والتجريب على أرض الحقيقة، إن وجدت الإرادة في ذلك.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − تسعة عشر =