د.منذر الحوارات. يكتب….الأردن بين خطرين وجوديين

64

 

المرفأ….غداة الذكرى السادسة والسبعين للإستقلاله، وفي الوقت الذي تقام فيه الاحتفالات بهذه المناسبة، تبرز مخاطر تكاد تكون وجودية، فالجغرافيا الظالمة التي وضعت الأردن على مسار بركان الصراعات في الإقليم، جعلته اسيراً لتداعيات تلك الصراعات فكان موئلاً لملايين اللاجئين من دول عديدة مما ألقى عبئاً اضافياً على موارده وعلى شعبه، كما وجعله حبيس الفقر والحاجة الدائمة للمساعدات من الخارج كون الجغرافيا الاردنية بخيلة بالموارد، وإن كانت كريمة في اعطاءه أهمية استراتيجية مكنت قادته من لعب دور سياسي عَلى المستوى الاستراتيجي سواء على الصعيد الاقليمي او الدولي، وقد أجادوا لعب هذا الدور بحرفية عالية، لكن المخاطر الحقيقية ذات الطبيعة الوجودية بدأت تطل برأسها من جديد، فالبلد الذي استطاع عبر تاريخه أن يتجاوز مِحن كثيرة، هددت بقاءه كدولة لمرات عديدة يقف الآن عند مفترق طرق شديد الخطورة فهو أمام خطرين لا يقل أحدهما عن الآخر.

فالخطر الأول عايشته الدولة الاردنية منذ نشأتها تقريباً وهو دولة الاحتلال، وإن كان الاعتقاد قد يكون بأن الخطر المتأتي من هناك قد زال بمجرد توقيع معاهدة السلام في وادي عربة، رغم ان الشكوك بمصداقية هذه المقولة بدأت منذ لحظة اغتيال رابين، فالخطر كان ماثلاً بما يعرف باليمين المتطرف لكن عزاء الدولة الاردنية ان الساسة الاسرائيليين كانوا يستخدموا هذا اليمين المتطرف في صراعاتهم السياسية، يقربونه حيناً ويبعدونه حيناً آخر، حسب حاجتهم الى الاصوات لقلب او تعديل ميزان القوى السياسي في تشكيل الحكومات او هدمها، لكن منذ عقد تغير الحال تماماً، وانقلبت الاوضاع رأساً على عقب، فأصبح اليمين هو الأغلبية وهو من يستخدم القوى الاخرى لمصلحته وحسب حاجته السياسية، وهؤلاء يتمحور إيمانهم بمرتكز أساسي فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، فحواه ان لا مكان لدولة فلسطينية غرب النهر وإنما مكانها يجب أن يكون شرق النهر، وقد بدأوا مخططهم هذا من خلال بناء المستوطنات وقضم الأراضي وأسرلة المدن وتهويد الأماكن المقدسة، كل ذلك بغاية رئيسية جعل سبل العيش للفلسطينيين مستحيلة لدفعهم الى الهجرة.

اما الخطر الثاني فهو الخطر الايراني، الذي يبد وكأنه خطر جديد لكنه في الحقيقة ماثل للقيادة الاردنية منذ فترة طويلة، وقد اشار اليه الملك عبدالله الثاني ابن الحسين منذ اكثر من عقد حينما وصفه بالهلال الشيعي، وقد بدى للبعض حينها انه محض تهويل، لكن الاحداث في المنطقة وأخيرا في الجنوب السوري تثبت ان هذا الخطر بات على بعد خطوات قليلة من الاردن، وقد فاقمته او سارعت في وتيرته الحرب الروسية على اوكرانيا، فسحب القوات الروسية احدث فراغاً في القوة في الجنوب السوري وهذا جاء كهدية للإيرانيين وهم المؤهلون الوحيدون لملئ هذا الفراغ، فمحاولاتهم منذ سنوات في ايجاد موطئ قدم على الحدود مع الاردن قد نجحت أخيراً، مما يجعل تهديدات قائد القوات الجوية للحرس الثوري الايراني علي حاجي زادة مؤسسة على أمل مستقبلي بالتحقق فهو الذي قال (ان على الاردن ودول الخليج وأفغانستان إخراج القوات الأمريكية من أراضيها وألا فإن القوات الايرانية ستخرج الامريكيين بالقوة)، وإذا ما أضفنا الى هذا التصريح ما قاله قاسم سليماني في مرات سابقة (ان ايران اضافت الاردن الى قائمة الدول التي تتحكم فيها والبلاد تتوفر فيها امكانية اندلاع ثورة اسلامية تستطيع ايران ان تتحكم فيها) انتهى الاقتباس، إذاً فطموح الايرانيين في محاذاة الاردن لن يقتصر ابداً على الرغبة في تهريب المخدرات وبيعها فماذ يريدون اذاً ؟

لاشك انهم يريدون ما هو أبعد من ذلك بكثير، فحالة الهدنة الظاهرية بين القوى الاقليمية والتي تعبر عن نفسها بزيارات ولقاءات ما هي إلا مرحلة عابرة فحالة التموضع التي تقوم بها كل من تركيا في الشمال السوري وإيران في الجنوب، تشير أن سوريا ستكون منطلق لصراع اقليمي قادم وهذا هو المخيف في وجود الإيرانيين على الحدود، فهم يعتبرون الأردن نقطة انطلاق للضغط على كل من دول الخليج ودولة الاحتلال فالسيطرة على الأردن ستشكل ورقة ضغط هائلة تضاف الى الورقة اليمنية، ولأن إيران لا تستطيع العمل في البيئات المستقرة، فهي ستبدأ مشوارها الطويل بزعزعة الاستقرار في الاردن والمخدرات وانتشارها والاسلحة واستحواذها من قبل المجتمع، ستكون وسائلها الرئيسية في الوصول إلى حالة اللا استقرار والفوضى، لكن الجيد في الموضوع ان القيادة الاردنية مدركة لهذا الخطر وتستعد لإجهاضه، وهذا ما أكد عليه الملك عبدالله الثاني ابن الحسين خلال مقابلته مع الجنرال المتقاعد هربرت ماكماستر، لكن السؤال الملح هل سيكتفي الاردن بإدراك ما تقوم به إيران والاقتصار على تغيير قواعد الاشتباك ؟ أم ان في جعبته ما هو أكثر من ذلك بضوء اخضر امريكي ؟ اعتقد ان التدرج في الرد سيكون هو الطريق الذي سيسلكه الاردن خلال المرحلة القادمة، لكنه حتماً سينتقل الى مرحلة المبادرة والفعل في مرحلة ما لكن ما هي حدود هذا الفعل لا استطيع التخمين لكن الايام وربما الاشهر القادمة ستميط اللثام نمط الرد الاردني.

أما الخطر الاسرائيلي فالمنقذ الحقيقي هو تغيير معادلة الصراع والعودة الى الخيارات المهملة واحيائها من جديد.

 

قد يعجبك ايضا