م. سائد حدادين.يكتب. المدينة الجديدة – اطار عمل واضح أم مجرد وعد ضبابي ؟

183

المرفأ..يلعب الاقتصاد الحضري والتطوير العقاري دوراً هاماً في جعل المدن أكثر جاذبية من خلال البحث والتخطيط وتحليل البيانات.

بلغت حصة المدن من اجمالي الناتج العالمي 70% تقريبا وهذا يؤكد أن المدن محركات رئيسية لعملية النمو الاقتصادي, وتحقق فوائد اقتصادية كما يشير اليه مفهومي اقتصاديات التكتل واقتصاديات السعة بكون المدن مصدر جذب للشركات المنتجة والعمال المهرة .

وتعد عوامل الجذب والامتيازات التي تقدمها المدن للسكان من أهم أسباب التكتلات والتجمعات، كما اشار الاقتصادي البريطاني (ألفرد مارشال) أن اقتصادات التكتل تحدث لأسباب ثلاثة؛ وهي المدخلات المشتركة، وتجميع سوق العمل، وانتشار المعرفة.

محليا، وفي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة عن خطط انشاء المدينة الجديدة بشكل مقتضب، دار جدل صحي بين المختصين وامتد ليشمل المواطنين العاديين. بين مؤيد ومتفائل وفاقد للثقة سواء بجدوى المشروع أو بآلية تطبيقه وهنا أورد بعض الملاحظات:

ان انشاء المدن يعتمد بشكل اساسي على قطاع التطوير العقاري الذي مازال بحاجة لمزيد من التطوير مقارنة مع القطاع الانشائي (المقاولات) والهندسي الذي يحتل مكانة مميزة على المستوى المحلي والإقليمي، ومن أهم الإشكاليات التي يواجها قطاع التطوير العقاري المحلي هو اقتصار مفهوم التطوير العقاري لديها على انشاء العمارات السكنية أو فرز الأراضي أو دون أن تكون هناك نظرة شمولية متكاملة تتضمن دراسة جدوى اقتصادية فعالة، وأكبر شاهد على هذه الإشكالية مجموعة المشاريع المتعثرة المتناثرة في محافظة العاصمة والزرقاء واربد.

وكخطوة أولى لانجاز مشروع المدينة الجديدة لابد من العودة وبشكل مفصّل لتقييم جميع مشاريع التطوير العقاري المتعثرة وغير المنجزة لجمع الدروس المستفادة وتفادي المشكلات وقياس المخاطر بما في ذلك مراجعة الأطر التشريعية من قوانين والأنظمة والتعليمات خصوصا فيما يخص نقل الملكية وادارة المدينة والكلف الضريبية والرسوم، الأمر الذي سيحتاج بالضرورة لحراك تشريعي دؤوب في مجلس الأمة لابد من أن يبدأ الآن.

ان عملية التطوير العقاري يحكمها (اطار عمل) لتنظيم ما يمكن أن يكون عملية فوضوية وضبابية, بحيث يكون بمثابة دليل يحولها الى عملية مدروسة ومنظمة وقائمة على البيانات, و(اطار العمل) هذا يشمل مراحل من الدراسة وأدوات التحليل محددة بمجموعة مخرجات تحدد الرؤية والرغبة والتوقيت والموارد والمصادر والجدوى الاقتصادية والنموذج المالي وغيرها,حيث يمكن من خلال اعداد هذه المخرجات توفير الكثير من الوقت والجهد والتكلفة واشراك اكبر قدر ممكن من الجوانب المساهمة التي لا يمكن اغفالها ولا التعذر لاحقا عن اغفالها, فالمعلومات المقتضبة والمصرح عنها لم تغطي العديد من الأسئلة المطروحة من الشارع الأردني وهذا يؤكد أن الوقت كاف لاشراكها.

من هذه الجوانب دراسة تقاطع التنظيم وأحكام البناء المخطط له مع غايات المطورين وأهداف المستثمرين المحتملين, ودراسة المكان والموقع لتحليل ودراسة الأثر البيئي والمناخ والتضاريس والموارد المائية بكل تأكيد, وبما أن الحكومة ستعمل على تمويل البنية التحتية الممكنة لفتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار اذا لابد من دراسة وتحليل التركيبة السكانية المستهدفة وقدرتها الشرائية, كما لابد من دراسة السوق في كل من العاصمة عمان والزرقاء والمناطق المجاورة للوقوف على نسب الشغور والاشغال ومعدلات الاسعار للبيع والتأجير لاعداد مصفوفة العرض والطلب واللازمة جميعها لوضع استراتيجية التطوير وتحديد موقعنا ضمن دورة حياة العقار بمراحلها الأربع: التوسع ,والعرض المفرط, والركود, والتعافي, لأنه استراتيجيا لابد أن نسعى جاهدين للبدء في التنفيذ في مقدمة مراحل الدورة والانتهاء منه عند أكبر نسبة طلب منعا للتعثر.

يبقى التساؤل لماذا لم يتم اعداد خطة موازية لإنشاء عدد صغير من المدن الحضرية الجديدة بمحاذاة مراكز بعض المحافظات بحيث يكون نموذج العمل واطار العمل فيها على مستوى اقل حجما وتكلفة واسرع انجازا وأكثر تحكما وسيطرة؟ فتكون بذلك مرحلة أولى تثبت نجاعة الفكرة وقياس الأداء وادارة المخاطر بشكل أكثر فعالية ومن ثم الانتقال لإنشاء مدينة بهذا الحجم. خصوصا أن دعم النمو الاقتصادي وتخفيف عبء الضغط السكاني على البنية التحتية يصب مباشرة في هدف تنمية المحافظات وتطويرها.

بالمحصلة, فان اعلان فكرة المشروع قبل بداية التنفيذ بعامين أمر ايجابي, ليتم اعداد (اطار عمل) واضح وحقيقي ويستند على معلومات وبيانات تخلص المشهد من أي ضبابية, لكن في هذين العامين يفضل الابتعاد عن تصريحات عشوائية المصدر وعرض أرقام غير دقيقة ووعود غير خاضعة للمسائلة قد توهم الرأي العام وتزيد من فجوة الثقة, ليفضل عرض نتائج الدراسات والمخرجات للمواطن بشفافية مما يسهم في تكاثف الجهود لانجاحه, فالمشاريع الوطنية الضخمة تحتاج الى قرارات مبنية على علم ومعرفة وقبول شعبي غير مشكك, مؤكدين على أهمية توصيات القيادة الهاشمية التي قد شددت سابقا على ضرورة اطلاع المواطنين على المعلومات المتعلقة بالمدينة بكل شفافية ووضوح وضمن اطر زمنية واضحة ومعلنة.

م. سائد سند حدادين

[email protected]
@saedhaddadin

عضو مجلس محافظة مادبا الأول
متخصص في مجال الاستثمار والتطوير العقاري

قد يعجبك ايضا