الإعلان العالمي لحقوق الإنسان… وثيقة تاريخية أم شهادة وفاة للضمير العالمي؟” د. مريم وحيد

1٬027

 

 

المرفأ..منذ ما يقرب من ثمانية عقود، وتحديدًا في العاشر من ديسمبر عام 1948، وُلد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كوثيقة جامعة تضمن ثلاثين حقًا أساسيًا لكل إنسان، بغضّ النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو الانتماء السياسي أو الوطني. جاء هذا الإعلان كردّ فعل مباشر على ويلات الحرب العالمية الثانية، ليكون بمثابة ميثاق أخلاقي عالمي يعكس التزام البشرية بالحفاظ على كرامة الإنسان.

الجهود التي قادتها إليانور روزفلت، رئيسة لجنة صياغة الإعلان، عكست رؤية إنسانية راسخة خرجت من رحم المعاناة. فقد شهدت روزفلت عن كثب فظائع الحرب، وزارت المستشفيات وساحات المعارك، لتدرك أنه لا بد من حماية الحقوق الأساسية لكل إنسان – الحق في الحياة، الحرية، المأوى، الغذاء، التعليم، العمل، والمحاكمة العادلة.

ومع أن الإعلان لم يكن مُلزِمًا قانونيًا، إلا أنه شكّل الأساس لسلسلة من الاتفاقيات الدولية التي تبنّتها أغلب دول العالم لاحقًا، من بينها:

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949

اتفاقيات خاصة بحقوق المرأة، الطفل، اللاجئين، وذوي الإعاقة

اتفاقيات بيئية كاتفاقية باريس للمناخ

رغم هذه الإنجازات، يطرح الواقع الإنساني المرير – وخاصة في فلسطين – تساؤلًا صارخًا: ماذا تبقّى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟

منذ السابع من أكتوبر 2023، يتعرض الفلسطينيون لانتهاكات جسيمة ومنهجية، تُرتكب على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، دون ردع حقيقي. فالحق الأساسي في الحياة – الذي يشكل جوهر الإعلان – يُنتهك يوميًا في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث يعاني السكان من نقص الغذاء والدواء والمياه، فضلًا عن استهداف المدنيين، ودور العبادة، والمستشفيات، والصحفيين، والأطقم الطبية.

هذه الجرائم لا تشكّل فقط انتهاكًا للإعلان العالمي، بل تتعارض بشكل مباشر مع اتفاقيات جنيف، لا سيّما الاتفاقية الرابعة المعنية بحماية المدنيين تحت الاحتلال.

في ظل هذا الواقع، يتساءل الباحثون والحقوقيون بمرارة:

هل ما زال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمتلك قيمة فعلية، أم أصبح وثيقة مؤرخة لا يُعمل بها إلا انتقائيًا؟

وهل من أمل في استيقاظ ضمير العالم، كي يُطبّق ما وقّع عليه ذات يوم من مبادئ سامية، على الجميع دون تمييز؟

الواقع يفرض إعادة نظر جذرية في مدى جدوى القانون الدولي، إذا كان عاجزًا عن وقف الانتهاكات الفجة لأبسط حقوق الإنسان. وربما تكون فلسطين اليوم المعيار الأصدق لاختبار صدق الالتزام العالمي بهذه القيم.

 

أستاذ مساعد العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة وجامعة الجلالة

قد يعجبك ايضا