الإجراءات الجنائية في مواجهة الجرائم العابرة للحدود
في عالم لم تعد تعترف فيه الجريمة بالحدود السياسية أو الحواجز الجغرافية، تتحول الملاحقة الجنائية إلى سباق محموم بين أنظمة قضائية متباينة وإرادة إجرامية واحدة إنها معضلة العولمة بوجهها القاتم، حيث يجتاح المجرمون الفضاء العالمي بسلاسة مطلقة بينما تتخبط أجهزة العدالة خلفهم في متاهات من التعقيدات القانونية والبيروقراطية فبينما يستطيع مجرم الإنترنت الانتقال من قارة إلى أخرى بنقرة زر، تظل طلبات التسليم القضائي تراوح مكانها لشهور بل لسنوات في أدراج الوزارات وقاعات المحاكم هذه المفارقة المأساوية تضع نظام العدالة الجنائية العالمي على محك الاختبار، وتكشف عن هشاشة البنىة التقليدية في مواجهة جرائم لم تكن في الحسبان.
لنتخيل المشهد مجرم إلكتروني في دولة شرق أوروبا ينتحل صفة مصرف إلكتروني في آسيا، ليخدع ضحايا في أمريكا اللاتينية، مستخدماً خوادم في أفريقيا، ويحول الأموال إلى جزر في المحيط الهادئ. كيف تبدأ الملاحقة؟ وأي دولة تختص؟ وأي قانون يطبق؟ وأي لغة تستخدم في المحاكمة؟ هذه الأسئلة التي تبدو بسيطة تتحول إلى كابوس قانوني يحير الخبراء والمختصين فالجريمة العابرة للحدود تشبه وحشاً برؤوس متعددة، كلما قطعت رأساً نبت آخر.
الإجراءات التقليدية في الملاحقة الجنائية تظهر عجزاً فاضحاً أمام هذه التحديات فمبدأ سيادة الدولة، ذلك المبدأ الذي ظل قروناً حجر الزاوية في العلاقات الدولية، أصبح عقبة في وجه العدالة العالمية كل دولة تمسكت بسيادتها القضائية، وكل نظام قانوني تشبث بخصوصيته، وكل جهة إنفاذ قانوني التزمت بحدودها الجغرافية والنتيجة؟ ملاذات آمنة للمجرمين الذين يتنقلون بذكاء بين الفجوات القانونية، مستفيدين من تناقض التشريعات وتباين الإجراءات.
التحدي الأكبر يكمن في اختلاف الأنظمة القانونية والإجرائية من دولة إلى أخرى فما يعتبر جريمة في دولة قد يكون نشاطاً مشروعاً في دولة أخرى وما يعتبر دليلاً مقبولاً في نظام قضائي قد يكون مرفوضاً في نظام آخر الإجراءات التي تبيح التلصص الإلكتروني في مكان قد تعتبر انتهاكاً للخصوصية في مكان آخر هذه الاختلافات تخلق بيئة خصبة للمجرمين الدوليين الذين يدركون جيداً كيف يستفيدون من هذا التباين.
ولا ننسى إشكالية الأدلة في الجرائم العابرة للحدود، فالدليل الإلكتروني سريع الزوال، والشهود متفرقون في أنحاء العالم، والخبراء يتحدثون بلغات متعددة جمع هذه الأدلة يتطلب تعاوناً دولياً معقداً، وطلبات المساعدة القضائية التي تتبع مسارات بيروقراطية طويلة، بينما المجرم يمحو آثاره في ثوان إنها معركة ضد الزمن، حيث البطء الإجرائي يقابل السرعة الرقمية.
الملاحقة تتطلب أكثر من مجرد تعاون ثنائي، بل تحتاج إلى شبكة معقدة من الاتفاقيات الدولية والتفاهمات الثنائية وأطر التعاون الإقليمي ولكن حتى هذه الآليات تعاني من اختلالات عميقة فاتفاقيات التسليم غالباً ما تكون مشروطة بشروط سياسية، وطلبات المساعدة القضائية تتعثر بسبب البيروقراطية، ومشاركة المعلومات تواجه حواجز الثقة بين الأجهزة الأمنية المختلفة.
في مواجهة هذا التعقيد، بدأت تظهر مبادرات لتطوير آليات تعاون دولي أكثر فعالية الإنتربول يلعب دوراً محورياً في تنسيق الجهود، لكن دوره يظل محدوداً بالرغبة السياسية للدول الأعضاء مجموعات العمل المشتركة تظهر كحل عملي، حيث تجمع محققين من دول مختلفة للعمل على قضايا محددة لكن هذه الحلول تبقى قطرة في محيط من التحديات.
الأمل يبدو في تطوير إجراءات جنائية دولية موحدة، أو على الأقل معايير دنيا للتعاون القضائي فكرة المحكمة الجنائية الدولية للجرائم العابرة للحدود قد تبدو حلماً بعيداً، لكنها تمثل اتجاهًا ضرورياً في عالم يتجه نحو المزيد من الترابط في الوقت الراهن، تبرز أهمية الاتفاقيات الإقليمية كخطوة أولى نحو تعاون أكثر فعالية.
التحدي الأكبر يتمثل في موازنة متطلبات العدالة مع احترام الخصوصيات الوطنية فالدول تريد التعاون لمكافحة الجريمة، لكنها تخشى على سيادتها تريد مشاركة المعلومات، لكنها تحرص على أمنها القومي تريد ملاحقة المجرمين، لكنها ترفض التدخل في شؤونها الداخلية هذه المعادلة الصعبة تحتاج إلى حكمة بالغة وحساسية سياسية فائقة.
المستقبل يحمل تحديات أكبر مع تطور التقنيات الحديثة فالجريمة الإلكترونية تتطور بسرعة مذهلة، والذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة للإجرام المنظم، والعملات المشفرة تعقد عملية تتبع الأموال في وجه هذه التحديات، تظهر الحاجة إلى إجراءات جنائية أكثر مرونة وسرعة، قادرة على مسايرة التطور التكنولوجي.
في الختام، يمكن القول إن مواجهة الجرائم العابرة للحدود لم تعد ترفاً قانونياً، بل أصبحت ضرورة وجودية للنظام العالمي الإجراءات الجنائية التقليدية لم تعد كافية، والتعاون الدولي لم يعد خياراً نحن بحاجة إلى ثورة في الفكر القانوني، وإعادة هندسة للإجراءات الجنائية، وتبني رؤية جديدة للعدالة تتخطى الحدود وتتجاوز السيادات الجريمة العالمية تتطلب عدالة عالمية، والتحدي المشترك يتطلب استجابة مشتركة الساعة تدق، والوقت ليس في صالحنا.
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض