الشفافيه الوظيفيه : من الشعارات الي واقع الاصلاح الاداري..
المرفأ- لم تعد الشفافية الوظيفية مجرد مصطلح إداري يُستخدم في البيانات الرسمية أو الخطابات الحكومية، بل أصبحت قضية محورية في صميم مشروع الإصلاح الإداري الذي تتبناه الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة. ففي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، باتت الإدارة الرشيدة مطلبًا شعبيًا، وشرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة. وبين الوعود المعلنة والواقع العملي، يظل التساؤل حاضرًا بقوة: هل نجحت الشفافية الوظيفية في الانتقال من خانة الشعارات إلى واقع ملموس داخل المؤسسات؟
بداية ما المقصود بالشفافية الوظيفية؟
تعني الشفافية الوظيفية وضوح القواعد المنظمة للعمل، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالتعيين، والتقييم، والترقي، والمساءلة، بحيث تكون مفهومة ومعلنة لجميع العاملين دون غموض أو تمييز. وهي تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن الموظف من حقه أن يعرف كيف تُدار المؤسسة، ولماذا تُتخذ القرارات، وعلى أي أساس تتم المحاسبة أو منح الفرص. وعندما تغيب هذه الشفافية، تفتح الأبواب أمام الشكوك، والمحسوبية، وتراجع الأداء المؤسسي.
لماذا أصبحت الشفافية ضرورة لا رفاهية؟
في بيئات العمل التي يسودها الغموض، تنتشر مشاعر الإحباط ويضعف الانتماء الوظيفي، ما ينعكس سلبًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. أما الشفافية، فهي تخلق شعورًا بالعدالة وتكافؤ الفرص، وتدفع الموظف إلى العمل بثقة واطمئنان. ومن هنا، لم تعد الشفافية الوظيفية خيارًا إداريًا ثانويًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لإنجاح أي خطة إصلاح إداري وضمان استدامتها.
هل شهدت مصر تحولًا حقيقيًا في هذا الملف؟
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة حراكًا واضحًا في ملف الإصلاح الإداري، خاصة على مستوى تحديث التشريعات المنظمة للعمل الحكومي. وكان قانون الخدمة المدنية أحد أبرز محطات هذا التحول، إذ استهدف وضع قواعد أكثر وضوحًا للتعيين والترقية وتقييم الأداء، وربطها بمعايير الكفاءة والإنجاز بدلًا من الأقدمية المطلقة أو العلاقات الشخصية. غير أن هذا التطور يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل يكفي إصدار القوانين لتحقيق الشفافية؟
الإجابة الواقعية أن القوانين تمثل إطارًا ضروريًا، لكنها لا تضمن وحدها التطبيق الفعلي دون متابعة ومساءلة.
ما العقبات التي لا تزال تعيق الشفافية الوظيفية؟
رغم الخطوات الإيجابية، لا تزال الشفافية الوظيفية تواجه عدة تحديات، في مقدمتها الموروث الإداري التقليدي الذي اعتاد غياب الإفصاح واعتماد أساليب غير رسمية في إدارة العمل. كما يظهر تفاوت واضح في مستوى التطبيق بين جهة وأخرى، وأحيانًا داخل الجهة الواحدة، ما يخلق شعورًا بعدم العدالة. ويُضاف إلى ذلك ضعف الوعي الوظيفي لدى بعض العاملين بحقوقهم وآليات الاعتراض أو التظلم، فضلًا عن مقاومة بعض القيادات للتغيير خوفًا من فقدان النفوذ. وهنا يبرز تساؤل آخر: هل المشكلة في القوانين أم في الثقافة المؤسسية؟
والإجابة الأقرب للواقع أن الثقافة المؤسسية تمثل حجر الزاوية؛ فبدون تغييرها، تفقد النصوص القانونية كثيرًا من فاعليتها.
ما آليات تطبيق الدولة للشفافية الوظيفية؟
إدراكًا لطبيعة هذه التحديات، اتجهت الدولة إلى تطبيق مجموعة من الآليات العملية لترسيخ الشفافية داخل الجهاز الإداري.
أولى هذه الآليات تمثلت في تحديث الإطار التشريعي والتنظيمي، عبر لوائح واضحة لإدارة الموارد البشرية، تحدد الحقوق والواجبات ومعايير التقييم والترقية بشكل مُعلن، بما يقلل من الاجتهادات الفردية ويحد من الغموض.
ثانيًا، اعتمدت الدولة على التحول الرقمي كأداة رئيسية لكسر حلقات البيروقراطية. فقد أسهم التوسع في المنصات الحكومية الإلكترونية في إتاحة الإجراءات والمعلومات أمام الموظفين والمواطنين على حد سواء، وقلّل من الاحتكاك المباشر الذي كان يُمثل بيئة خصبة للممارسات غير الشفافة. كما ساعدت الأنظمة الرقمية في توثيق القرارات الإدارية ومتابعة الأداء، ما عزز من مبادئ المحاسبة والمراجعة.
ثالثًا، تم تفعيل دور الأجهزة الرقابية بصورة أكثر انتظامًا، ليس فقط لرصد المخالفات، بل لتقييم الأداء المؤسسي والتأكد من تطبيق القواعد بعدالة ودون استثناء. وقد ساهم هذا التوجه في إرسال رسالة واضحة مفادها أن الشفافية ليست اختيارًا، بل التزامًا.
إلى جانب ذلك، أولت الدولة اهتمامًا متزايدًا بـ بناء القدرات البشرية وتغيير الثقافة الإدارية، من خلال برامج تدريب وتأهيل تستهدف القيادات والموظفين، وتركز على قيم النزاهة والحوكمة الرشيدة والعمل المؤسسي الحديث. ويُعد الاستثمار في العنصر البشري خطوة أساسية لضمان استدامة الإصلاح.
في الختام
في المحصلة، يمكن القول إن الشفافية الوظيفية في مصر تسير بخطى ثابتة من خانة الشعارات إلى ميدان التطبيق، لكنها لا تزال في مرحلة انتقالية تتطلب الاستمرار والمتابعة.
فنجاح هذا المسار لا يُقاس بعدد القوانين أو المنصات الإلكترونية، بل بمدى شعور الموظف بعدالة الفرص ووضوح القرارات واحترام الكفاءة. وبين ماضٍ اتسم بالغموض، ومستقبل تطمح فيه الدولة إلى إدارة حديثة وفعالة، يبقى الرهان الحقيقي على تحويل الشفافية الوظيفية إلى ممارسة يومية راسخة، تعيد الثقة وتدعم مسيرة الإصلاح الإداري الشامل.
بقلم الدكتورة مريم علام دكتوراة القانون المدني ومدير وحدة رعاية الوافدين كلية التربية جامعة طنطا