التفكير الزائد… المجهود الذي لا يراه أحد قراءة إنسانية في معاناة صامتة

3٬305

 

المرفأ- بقلم. الدكتورة ايمان فوزي

يبدو بعض الناس – في الصور وفي عيون الآخرين – مسترخين، ساكنين، لا يكدّون ولا يتحركون، وكأنهم في حالة راحة دائمة.
لكن الحقيقة الخفية أن داخلهم ضجيجًا لا يهدأ، وعملًا لا يتوقف، ومجهودًا يفوق أحيانًا كل أشكال العمل الظاهر.

هؤلاء هم أصحاب التفكير الزائد،
الذين لا ينام عقلهم حتى وهم مستلقون، ولا يستريح وهم صامتون.

التفكير الزائد ليس رفاهية، ولا دلالًا، ولا فراغًا كما يظنه البعض،
بل هو عمل شاق، مرهق، يستنزف الطاقة، ويستهلك الأعصاب، ويأكل من العمر على مهل.

وما لا ينتبه له كثيرون أن أصحاب التفكير الزائد غالبًا ما يحملون إحساسًا مضخمًا بالذنب؛
يلومون أنفسهم عن كل شيء،
ويحمّلونها مسؤولية ما حدث وما لم يحدث،
كأنهم مطالبون دائمًا بأن يكونوا سببًا في إنقاذ الجميع.

وهؤلاء – على عكس ما يُتصوَّر – ليسوا أشخاصًا قساة القلوب أو بعيدين عن الإيمان،
بل في الغالب أناس متدينون، مؤمنون، أصحاب ضمائر حيّة،
لكنها سِمة نفسية…
عقل لا يتوقف، وقلب لا يعرف القسوة.

واللافت أن كثيرًا من أصحاب التفكير الزائد يكونون في الغالب أذكياء جدًا،
إيجابيين، نافعين لمن حولهم،
أصحاب بصيرة، وحسٍّ عالٍ بالمسؤولية.
يفهمون الناس بسرعة،
ويقرأون ما بين السطور،
ويشعرون بما لا يُقال.
لكنهم يتكلمون في صمت،
صمتٍ يظنه الآخرون سكونًا أو راحة،
وهو في الحقيقة حوار داخلي لا يهدأ.

أصحاب التفكير الزائد لا يؤذون الآخرين،
بل على العكس…
هم غالبًا أكثر الناس حرصًا على مشاعر من حولهم،
يفكرون في الابن، والأخ ، والزوج الخ…
وينشغلون بالناس أكثر مما ينشغلون بأنفسهم.

تفكيرهم لا يدور حول خطأ ارتكبوه،
بل حول:
هل قصّروا؟
هل كان يجب أن يفعلوا أكثر؟
هل كان يمكن إنقاذ الموقف؟

يحاولون دائمًا أن يحلّوا مشاكل الجميع،
أن يحملوا عن غيرهم،
أن يسبقوا الألم بخطوة،
لكن الثمن…
أنهم هم من يتعب في النهاية.

يخرجون من فكرة إلى فكرة،
ومن همٍّ إلى همّ،
ومن مسؤولية إلى أخرى،
حتى تُنهك أرواحهم دون أن يشعر بهم أحد.

والمفارقة المؤلمة أن هذا المجهود الهائل لا يغيّر النتيجة؛
فمهما فكّر الإنسان، لن يستطيع أن يؤخّر قدرًا،
ولا أن يقدّم ما لم يُكتب.

بل إن هذا الجهد المستمر يترك أثره على الصحة، وعلى الملامح، وعلى القدرة على الفرح،
ويُرهق القلب أكثر مما يُنقذ الواقع.

وهنا تأتي الرحمة…
رحمة أن يُسلِّم الإنسان أمره لله،
أن يقول بصدق: «أفوض أمري إلى الله»،
لا كجملة تُقال، بل كقرار داخلي بالراحة.

أن يفهم أن التفكير لن يغيّر المكتوب،
لكن التسليم يغيّر حال القلب.

ليس المطلوب أن نتوقف عن التفكير،
بل أن نتوقف عن تعذيب أنفسنا بما ليس بأيدينا.

وإن شعر الإنسان أن التفكير الزائد خرج عن السيطرة،
وأن الإرهاق طال القلب والعقل معًا،
فاللجوء إلى طبيب نفسي ليس ضعفًا ولا عيبًا،
بل خطوة وعي ورحمة بالنفس.
أحيانًا نحتاج لمن يساعدنا على ترتيب أفكارنا،
ووضع حدود لما نحمله من هموم،
حتى نعيش أخفّ، وأهدأ، وأقرب إلى السلام.

إيمان فوزي مكاوي

قد يعجبك ايضا