«حين يجوع الضمير قبل الجسد قراءة أخلاقية وإنسانية في مأساة فتاة قُتلت جوعًا بقنا»

3٬291

 

المرفأ- بقلم: الدكتورة إيمان سماحة

ليست الفاجعة أن يموت إنسان جوعًا فحسب؛ فالجوع — على فظاعته — عرفته البشرية قديمًا، وذاقته الشعوب في مواسم الحصار والحروب، وتعايشت معه الأمم حين ضاقت الأرض بما رحبت.
إنما الفاجعة الكبرى، والهاوية الأشد ظلمًا، أن يتحوّل الجوع إلى وسيلة قتل، وأن تُنزع الرحمة من موضعها الطبيعي، وأن تُفرَّغ الأبوة من معناها حتى تصير سكينًا باردة، لا حضنًا، ولا أمانًا.
في قنا، لم تمت فتاة لأن الطعام شحّ، بل لأن الرحمة غابت، ولأن القسوة اتخذت قرارها ومضت فيه حتى النهاية. لم تُقتل بالمجاعة، بل بالصمت الطويل الذي جاور الاستغاثة حتى خنقها، وبالعنف الهادئ الذي لا يصرخ، لكنه يفتك ببطءٍ مُتقن.
وأيًّا كان ما نُسب إليها — إن كان لها ذنب — فلا خطيئة في الأرض تبيح هذا الجحيم، ولا تقصير يُشرعن هذا العذاب، ولا انحراف يبرر أن يتحول الأب إلى جلاد، والبيت إلى سجن، والطعام إلى أداة قتل بطيء. وأيُّ أبٍ ذاك الذي تصبح معه الأبوة عبئًا لغويًا، وخسارةً معنوية، وإهانةً للفظةٍ خُلقت لتكون ملاذًا لا مصيدة؟
لم تكن الجريمة لحظة طيشٍ عابر، بل مسارًا ممتدًا من التعذيب المتعمد، وانحدارًا أخلاقيًا مدويًا، وانكسارًا لمعنى المسؤولية الإنسانية قبل الأبوية. أبٌ يُقنّن الطعام لابنته عامًا كاملًا، ثم يقطعه عنها شهرًا تامًا، ويقيّدها داخل غرفة مغلقة، ويجعل قضاء حاجتها في حفرة داخلها، ويمنع عنها الماء والهواء والناس والحياة.
وهذا — والله — ليس تأديبًا، ولا تربية، ولا حتى قسوةً عمياء؛ بل قتلٌ سبق الموت بزمن، وتعذيبٌ أُنجز على مهل، وبوعيٍ كامل، لا تخفف من بشاعته استمراريته.
وحين عُثر عليها، لم يكن الجسد جسدًا، بل شهادة صامتة: هيكل عظمي يكسوه جلد، يُعلن بلا صوت أن الجوع لا يقتل المعدة وحدها، بل يقتل معها الكرامة، والإنسانية، ومعنى الأمان. أما الأم، فقد انهارت أمام مشهد لا تحتمله فطرة الأمهات، ولا تستوعبه لغة، ولا يبرره عقل.
وما يزيد الجريمة سوادًا أن محاولات الإنقاذ كانت قائمة؛ أمٌّ وأشقاء حاولوا الوصول، وكسر العزلة، وفتح نافذة نجاة، لكن الإرادة الغاشمة كانت بالمرصاد، تُغلق الأبواب عمدًا، وتسدّ منافذ الرحمة قصدًا. وهنا لا يعود الصمت حيادًا، ولا العجز عذرًا؛ فحين يُغلق باب النجاة بإصرار، تكتمل أركان الجريمة.
إن الفقر — مهما اشتد — لا يمنح رخصة لإزهاق الأرواح، والعوز — مهما قسا — لا يُبيح التخلي عن الإنسانية. فالابتلاء امتحان في الصبر، لا تصريح بالبطش، واختبار في الأمانة، لا إذنًا بالخيانة. وما كان الله ليحاسب عبدًا على ما عجز عنه، لكنه يحاسب أشد الحساب على ما تعمّد فعله وكان قادرًا على منعه.
لقد جعلت الشرائع حفظ النفس من أعظم المقاصد، وجعلت الرحمة عماد البيوت، فإذا سقطت الرحمة داخل الجدران، لم تعد البيوت بيوتًا، بل صارت مسارح لجريمة مؤجلة. والمجتمع الذي يبرر القسوة باسم التربية، أو يصمت خوفًا أو تواطؤًا، إنما يشارك — ولو بالصمت — في صناعة المأساة.
وإن توصيف النيابة للواقعة على أنها قتل عمد، وما تبعه من إجراءات، ليس شأنًا قانونيًا فحسب، بل حكمٌ أخلاقي صريح: لم يكن ما حدث فقرًا طارئًا، ولا جهلًا عابرًا، بل فعلًا متعمدًا، وتعذيبًا مستمرًا، وإصرارًا على الإيذاء حتى النهاية.
رحم الله هذه الفتاة، وجعل ما لاقته رفعةً لها لا عليها، وحجةً قائمة على من ظلم، وشاهدًا لا يُمحى على أن الأبوة تكليف قبل أن تكون سلطة، ورحمة قبل أن تكون وصاية.
قد نجوع إلى المال، وقد نفتقر إلى الإمكانات، لكن أخطر ما يُصيب الإنسان أن يجوع إلى الرحمة…
وحين يجوع الضمير قبل الجسد، لا حول ولا قوة إلا بالله.

قد يعجبك ايضا