الإصلاح المجتمعيّ أهمّ من الإصلاح السياسيّ (( نعيش ما بين قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وسطوة الجُهّال ))
المرفأ- كتبت: منى توفيق عثامنه
عندما يترسّخ الأمان الاجتماعيّ بطبيعة النظام السياسيّ، وشمول الدستور، وتفعيل الحقوق والواجبات، واستقلالية القضاء، وإلزام التعليم، وحفظ مكانة المعلّم ودوره التربويّ كقدوةٍ مؤهَّلة لتقديم أجيالٍ واعية تعي ما لها وما عليها، وتطمح بمزيدٍ من العلم والاكتشاف والمعرفة، وتوظيف الثقافة عمليًّا بعيدًا عن التنظير، باعتمادها على الخبرة والاطلاع، وضبط الرفاهية، واحترام الذوق والقيم والأخلاق والعادات والأعراف والتقاليد السائدة التي تنهض بالمجتمع وتصونه.
إضافةً إلى وسائل الإعلام التي باتت أقوى وسيلة تلعب دورًا واضحًا في موضوع الثقة بين فئات المجتمع من جهة، ومن جهةٍ مقابلة بين المجتمع والدولة وأجهزة التعليم والأمن والقضاء والصحة، والتي عليها أن تراعي وتؤكّد على كل أسباب ما يجمع المجتمع ويقوّيه، وتخفّف الضوء عمّا يُحبط ويفرّق ويُضعف تماسك المجتمعات. فالإيجابية مهما تم إبرازها وصونها من قبل وسائل الإعلام، فإنّ التركيز على السلبيات وإثارة الجدل بها يُضعف المجتمع ويُفرّقه باجتماعه حول طنين ذباب ولهو الحديث، فتسود الفوضى، وتتناثر الخلافات والنزاعات، وتتكاثر وتتضاعف أسباب البغضاء والتفرقة، وهنا تنهدم الشخصيّات الوطنيّة والقومية والمجتمعية التي تبرز في أوقات الشدّة والرخاء وتنعش روح الجماعة، وبالتالي تضيع القدوة في متاهة التصريحات والخزعبلات، وتراشقات التفاهات، ورعونة الفكرة، وتهوّر الفكر الأهوج والأعوج الذي لا ينبت من مصدرٍ علميّ أو منطقيّ أو موثوق، بل اجتهادات جهولة وربما مأجورة، وغالبًا جاحدة، تتسخّط وتودي إلى الحضيض من الأخلاقيات المختلفة، وتبث كراهيةً وتشتّتًا وخلافًا لا مُسبِّب لها ولا تبرير.
وإنّ ما تعانيه المجتمعات من تأخّر اجتماعيّ ملحوظ، فإنّ النظام الاقتصاديّ إذا لم يكن راسخًا منظّمًا، معتمدًا على موارد البلاد والقوى البشرية والعقول النظيفة، دون مبالغة في الضرائب والتكاليف وشحّ التسهيلات، فإنّه لن يحقّق شعورًا بالأمان المجتمعيّ. فالمجتمعات لا تُبنى بالرفاهية، ولا بتراكم الديون، ولا بتبذير الإنفاق، ولا بالعشوائية الإدارية والإعلامية، بل بالعدالة والثقة، واكتساب الخبرة من التجارب العالمية والموروث الحضاريّ، واستثمار النقد وتوظيفه لا إضاعته، والاعتماد على الشخصيّات المميّزة وفتح الآفاق لها كي تُبدع وتحتوي مزيدًا من المبدعين البارعين.
وحيث إنّ اللغة واحدة، وكذلك الدين واللون، في مجتمعٍ ما يتحقّق الأمان وتُنبذ الخلافات وتنتهي في لحظتها.
أمّا الأخطار المشتركة مثل العنصرية والطائفية والطبقية داخل الدولة أو الدول المجاورة، فإنّها أقوى أسباب الفرقة الاجتماعية، تؤثّر على الأمن والفكر والإنتاج والطموح، حتى إنّها باتت تؤثّر على الإحساس بالانتماء، والبحث عن زاوية آمنة في المهجر. وما الهجرة إلا سعيٌ محمود ما لم تتبعه تبعية وانتساب لثقافات وهويّات وأجندات، فكم مغتربٍ غادر متعلّقًا بوطنه بات معارضًا ذميمًا مأجورًا في المهجر؟
وفكرة الجوع والشبع أيضًا، وتقسيم المجتمعات على حسب القدرة على الإنفاق والرغد، إنّما تحوّل الإنسان إلى مخلوقٍ استهلاكيّ لا دور له سوى الإنفاق والتفكير باللحظة المضارعة، دون نظرٍ إلى ماضٍ تأسّست فيه الرواسي، ولا يأبه بحاضرٍ يصون الأمانة للآتي المنتظر.
مما أدّى إلى الوصول إلى مرحلةٍ بات فيها الرغيف قضيّة، وحبّة الدواء أقصى حدود الطلب!
وإذا ما نظرنا من منظور الحقوق، فإنّ الزكاة حقّ معلوم، ويجب أن تقوم بدورها وتُؤدّى في وقتها بأمانة، فهي ركنٌ من أركان الدين الحنيف. فإذا وصلت الزكاة إلى مستحقّيها شعروا بالأمان، ويرى كثير من الخبراء أنّ الزكاة تكافح الطبقية والجريمة والحسد، وتؤلّف بين قلوب الناس.
وإنّ زكاة مال الأثرياء ربّما تساهم في حلّ مشكلات البطالة بتأسيس مشاريع أو توفير أدوات ومعدّات لحِرفٍ صغيرة، سواء كانت يدوية أو زراعية أو تجارية، في ظلّ تزايد الشهادات العلمية. وكما أنّ ارتفاع نسبة البطالة بين فئة غير الحاصلين على شهادات في مجتمعٍ فتيّ مثل الأردن، حيث نسبة الشباب هي الأعلى، فإنّ توظيف مال الزكاة في حلّ مشكلات البطالة يجب أن يكون فعّالًا، وفيه من البركة ونماء المال ما يسدّ حاجات نسبة من أفراد ومجموعات المجتمع.
فتتحقّق فريضة عظيمة الأجر، وجبر خواطر الله وحده يعلم أجرها العظيم، إلى جانب أمان المجتمع وطمأنينته وتلاحمه وتكافله ومودّته.
فلا تأمر نفسُ المعوز صاحبَها بالسوء ما دامت الزكاة تُرسّخ التوازن بين أفراده، كيف لا وهي ثالث أركان الإسلام، لذلك فإنّ من أكثر المشكلات تعقيدًا تجاهل بعض الناس عن أدائها، ممّا تسبّب بخللٍ اجتماعيّ أثّر بصورةٍ أو بأخرى على ارتكاب الجنح والجرائم، إضافةً إلى التحاسد والمشاعر المرتبكة بين الناس.
لقد بتنا نعيش في زمن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وسيادة الجهّال، فتوجبت اليقظة وخلع رداء الضحيّة بارتداء ثوب الإصلاح المجتمعيّ قبل السياسيّ.
أمّا المرأة ودورها في تحقيق الأمن المجتمعيّ قبل السياسيّ، فسيكون موضوعنا في المقال القادم.