حين تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى عيادة مفتوحة: كيف تُصنع المعلومة الطبية المضللة؟
المرفأ- في السنوات الأخيرة، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل أو الترفيه، بل تحوّلت إلى مصدر أساسي للمعلومة الطبية لدى شريحة واسعة من المجتمع. بضغطة زر، يمكن لأي شخص الوصول إلى “نصيحة علاجية”، أو “تجربة شفاء”، أو “حل سريع” لمشكلة صحية، دون المرور عبر الاستشارة الطبية المتخصصة.
ورغم أن هذا الانفتاح المعرفي قد يحمل جانبًا إيجابيًا في رفع الوعي الصحي، إلا أنه أفرز في المقابل خطرًا متزايدًا يتمثل في انتشار المعلومة الطبية المضللة.
من يصنع المعلومة الطبية؟
لم تعد المعلومة الطبية حكرًا على المختصين أو المؤسسات الصحية، بل باتت تُقدَّم أحيانًا من خلال:
• تجارب شخصية فردية يتم تعميمها
• محتوى تسويقي يُطرح بلباس توعوي
• آراء غير مختصة تُقدَّم بلغة واثقة ومبسطة
هذا النوع من المحتوى، رغم سهولة استهلاكه، يفتقر غالبًا إلى الأساس العلمي الذي يقوم عليه الطب الحديث.
أين تكمن الخطورة؟
الطب ليس وصفة موحدة، بل علم يعتمد على التشخيص، والتقييم الفردي، وفهم الفائدة مقابل المخاطر. وعندما تُختزل هذه العملية المعقدة في منشور أو مقطع قصير، قد يؤدي ذلك إلى:
• تأخير مراجعة الطبيب
• استخدام علاجات أو مكملات دون داعٍ طبي
• إهمال أعراض قد تكون مؤشرًا لحالة أكثر خطورة
• التعرض لمضاعفات أو تداخلات دوائية غير متوقعة
بين العلم والتسويق
العديد من الترندات الصحية المنتشرة تستند جزئيًا إلى أبحاث علمية حقيقية، لكنها تُعرض خارج سياقها. فالدراسة المخبرية أو الأولية لا تعني بالضرورة فاعلية سريرية مثبتة، ولا تُعد كافية لتقديم علاج على أنه آمن أو ضروري للجميع.
هنا تتحول المعلومة من أداة تثقيف إلى وسيلة تسويق، ويضيع الحد الفاصل بين الدليل العلمي والرأي الشخصي.
مسؤولية مشتركة
تعزيز الوعي الصحي مسؤولية مشتركة بين:
• المختصين في تقديم معلومة دقيقة ومفهومة
• وسائل الإعلام في التحقق من المصادر
• الأفراد في التمييز بين المعلومة العلمية والمحتوى الرائج
فالثقافة الصحية لا تعني معرفة أسماء العلاجات، بل تعني القدرة على السؤال، والتحقق، والرجوع إلى المختص قبل اتخاذ أي قرار صحي.
الخلاصة
وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون منصة توعوية فعّالة إذا استُخدمت بمسؤولية، لكنها قد تتحول إلى “عيادة مفتوحة” بلا ضوابط علمية، حيث تختلط التجربة بالعلم، والتسويق بالمعلومة.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات، تبقى القاعدة الأهم:
ليس كل ما يُنشر طبيًا صحيحًا، وليس كل ما هو شائع آمنًا.
فالطب علم تراكمي، لا يُختزل في تجربة، ولا يُمارس عبر منشور.
الدكتورة الصيدلانية بلقيس ابراهيم الصعوب/باحثة في المجال الصحي / مختصة بالتوعية الدوائية والممارسات المبنية على الدليل العلمي