فضائل التأني: بقلم الدكتور إسماعيل محمود
المرفأ- أيها المسارعون في اللوم تمهلوا واصبروا، للناس أعذار كثيرة، قد تعرفون بعضها، وتجهلون كثيرها، العجلة من الشيطان، والعجلة في اللوم ظلم وعدوان، وقرينة الجهل؛ فكفوا عن الظلم وارعووا أيها اللوام، وتأملوا حالكم وافتراءكم، وأنتم تتنكرون لزملائكم وأصحابكم وأهل القرب منكم.
وتأموا يا من أخطأتم في حق هذا الرجل الذي تأخر عن موعده، ربما تعرض لأمر عارض منعه من الحضور في الموعد، يا من تلومون هذا الذي أعتذر عن تلبية الدعوة، فكروا فربما أقعده مرض أو عذر عظيم، ويا من غضبتم وثورتم في هذا الصديق وهذا الصاحب، لأنه لم يسأل … أو لأنه لم يرد … فتشوا عن السبب قبل أن تلوموا وتظلموا وتكونوا سببا في القطعية، وكان شعرنا العربي على موعد مع فضائل التأني، وقد نصحوا بالتريث والتمهل وعدم كيل التهم جزافا للأخرين، يقول مسلم بن الوليد الأنصاري (ت ٢٠٨) محذرا من تعجيل اللوم، وناصحا بالتمهل والتريث:
لعلَّ له عُذراً وأنتَ تلومُ **
وكم لائمٍ قد لامَ وهوَ مُليمُ
وأما دِعبل بن علي الخُزاعي (ت 246هـ) فيحض هو الآخر وينصح بضرورة التماس العذر للصديق في حال تقصيره؛ حيث يقول:
تأنَّ ولا تعجَل بلَومِكَ صاحِبا *
لعلَّ له عُذراً وأنتَ تلومُ
وأما أبو العلاء المعرِّي أديب الشعراء وفيلسوف الأدباء (ت 429هـ) فلقد كان على موعد مع هذا الموضوع الخطير، ويطالب صاحبه وينصحه بالتماس العذر والتمهل وعدم التعجل بإغضاب الولي:
لكَ اللهُ لاتذْعَر وَليًّا بغَضبَةٍ*
لعلَّ له عُذراً وأنتَ تلومُ
وتحض هذه النماذج الشعرية وغيرها الكثير في بطون الدواوين الشعرية على ضرورة التريث والتاني وعدم المسارعة بالاتهام أو اللوم؛ لأن العجلة داء عضال، وغالبا ما تكون سببا في الهجران والقطيعة، وما أحوجنا هذه الأيام إلى التماس الأعذار والبحث عن أواصر القرب والمحبة، خاصة أن تماسك المجتمعات ولحمتها ووحدتها يقوم على المحبة والتعاون والتماس الأعذار والتغاضي عن الخلافات، ويؤسس على الاحترام المتبادل بين الجميع، وهو ما يعلي من قيم المواطنة ويخلق جوا من الألفة والمحبة في المجتمع، وكما يقولون: إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية؛ وعلينا أن نكون أصحاب مروءة ومرونة؛ إذ لا يعني اختلاف الآراء بيننا الركون إلى التخاصم والتنابذ؛ ولكنه يعني تعدد وجهات النظر وتنوعها، وهو ما يفرض على الجميع قبول الآخر وتأمل حجته ومنطقه، وربما جاء رآيه من زاوية لم تظهر لنا، وفي هذه الحالة يكون محقا في وجهة نظره على حسب وضوح زاوية الرؤية عنده، ونكون كذلك محقين في وجهة نظرنا على حسب وضوح زاوية الرؤية التي تبدت لنا، وهو ما يقود إلى التقارب لا التنافر، والمحبة لا العداوة، والتقدير لا التحقير، فلنكن جميعا مخلصين لإنسانيتنا ولفطرتنا البشرية، ونعترف أنه: “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” ونقتنع أنه: “وفوق كل ذي علم عليم”.
استاذ النقد بكليه الاداب جامعة سوهاج