حين تُصاغ السيادة بالقوة… الملك يقود تحوّل الجيش العربي لحماية الدولة والقرار إعادة هيكلة شاملة تعكس إرادة وطنية مستقلة وتؤسّس لأمن استراتيجي طويل الأمد
المرفأ- بقلم: السياسي الدكتور ممدوح الزبون
لا يمكن قراءة توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي خلال السنوات الثلاث المقبلة، بوصفه إجراءً تنظيميًا أو تحديثًا روتينيًا في بنية مؤسسة عسكرية عريقة. فهذا التوجيه، في جوهره، قرار سيادي بامتياز، يعكس فلسفة الدولة الأردنية في صون قرارها الوطني، واستباق المخاطر، وبناء القوة بوصفها ضمانة للاستقرار لا أداة للاضطراب.
الرسالة الملكية الموجّهة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة لم تكن خطابًا عامًا أو توصية تقليدية، بل وثيقة عمل واضحة، حدّدت الاتجاه، ورسمت المسار، وربطت التطوير بإطار زمني محدد، في إعلان صريح عن انتقال القوات المسلحة إلى مرحلة تحوّل بنيوي شامل، يستجيب لتغير طبيعة التهديدات، وتسارع التطورات التكنولوجية، واتساع بيئات العمليات العسكرية.
لقد شدّد جلالة الملك على ضرورة تحديث وتطوير القوات المسلحة وإعادة هيكلتها بما يتناسب مع متطلبات القتال في البيئات المختلفة، وبما يضمن إتقان أساليب الحرب الحديثة، والتوظيف الفاعل للقدرات الدفاعية والهجومية، بما يخدم الخطط العملياتية، ويعزز الجاهزية القتالية، ويكرّس مفهوم الردع الاستراتيجي بوصفه أحد أعمدة الأمن الوطني.
كما أكّد التوجيه الملكي الطموح نحو قوات مسلحة رشيقة ومرنة ونوعية، عالية الكفاءة والاحترافية، قادرة على حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية، ضمن منظومة قيادة وسيطرة واتصالات موثوقة وآمنة، تُدار وفق أعلى المعايير المهنية، وتتكامل فيها الخبرة العسكرية مع البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة.
وفي بُعد بالغ الدلالة، وجّه جلالة الملك إلى الاستثمار في مجالات العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، وتوظيف تكنولوجيا الأنظمة المسيّرة والذكاء الاصطناعي على مختلف المستويات، إدراكًا منه بأن الحروب المعاصرة لم تعد تُدار بالأدوات التقليدية وحدها، وأن امتلاك القدرة التنافسية في هذه المجالات بات شرطًا أساسيًا لحماية السيادة وضمان تفوّق نوعي مستدام.
ولم تغفل الرسالة الملكية أهمية الجاهزية الشاملة، من خلال التأكيد على امتلاك قوات احتياط كافية، وتعزيز منظومة الإسناد اللوجستي لضمان الاستدامة وانسيابية خطوط الإمداد، إلى جانب دراسة التوظيف الأنسب لوحدات حرس الحدود ووحدات الدرك والشرطة الخاصة ضمن الخطط التعبوية، في إطار مفهوم متكامل للأمن الوطني، يقوم على تنسيق الأدوار وتكامل المؤسسات.
كما أولى جلالة الملك اهتمامًا خاصًا بتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، عبر إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة للبحث والتطوير والتصنيع الدفاعي المتقدم، وفق أحدث المواصفات العالمية، وبما يلبّي الاحتياجات الوطنية ويعزز الاستقلالية الدفاعية. وإلى جانب ذلك، دعا إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة وفق أعلى معايير الحوكمة والإدارة، تأكيدًا على أن قوة الجيوش لا تُقاس بالسلاح وحده، بل بكفاءة الإدارة ونزاهة الموارد.
خلاصة القول، إن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بإعادة هيكلة الجيش العربي ليس خطوة إدارية ولا استجابة ظرفية، بل قرار دولة سيادي مكتمل الأركان، يؤكد أن الأردن لا يدير أمنه بردّ الفعل، ولا ينتظر التهديدات حتى تفرض إيقاعها، بل يبني قوته على أساس التخطيط والاستباق والرؤية بعيدة المدى.
هذا القرار يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، ويُجسّد إرادة سياسية عليا ترى في القوات المسلحة ضمانة الاستقرار، وركيزة حماية القرار الوطني، وسياج الدولة في محيط إقليمي شديد الاضطراب. وهو، في الوقت ذاته، رسالة واضحة للداخل والخارج بأن الأردن يمتلك القدرة والإرادة على تطوير مؤسساته السيادية وفق مصلحته الوطنية الخالصة، وبما يحفظ توازنه ويصون أمنه واستقراره.
إن إعادة هيكلة الجيش العربي، وفق ما ورد في التوجيهات الملكية، تؤسس لقوة عسكرية حديثة، رشيقة، عالية الجاهزية، قادرة على مواجهة التحديات التقليدية وغير التقليدية، وعلى حماية مراكز الثقل الوطنية، وضمان الردع الاستراتيجي، في إطار منظومة أمن وطني متكاملة تحكمها المهنية والانضباط والحوكمة الرشيدة.
وفي جوهر هذا القرار، رسالة ثقة بنشامى ونشميات الجيش العربي، وبقدرتهم على إنجاز هذا التحول النوعي، كما هو تأكيد ثابت على أن قوة الأردن ليست في حجم التحديات التي تواجهه، بل في طريقة إدارته لها. هكذا تُبنى الدول الواثقة بنفسها: بجيش محترف، وقيادة حكيمة، ورؤية سيادية تحصّن الحاضر وتؤمّن المستقبل.