جيل ما قبل الترند : جيل الثمانينات والتسعينات من الميدان للحجر الصحي للتضخم
المرفأ…( ربما يكون الاعتراف بحكايته هو أول خطوة نحو إنصافه، لأن بعض الأجيال لا تحتاج إلى تصفيق، بل إلى فهم، وعدالة، ومساحة أخيرة للحلم)
لم يكن هذا الجيل محظوظًا بالقدر الكافي ليحكي حكايته في فيديو قصير، ولا ريلز سريع بما يكفي ليلتقط لحظته في ترند عابر.
إنه جيل ما قبل الترند… الجيل الذي عاش الأحداث كاملة، وتلقى الصدمات واحدة تلو الأخرى، دون فواصل للراحة أو إعادة التوازن.
جيل يركض بكل ما يملك ، لكن كلما ظن أنه اقترب من خط الوصول، اكتشف أنه ما زال في الأسفل.
جيل لا هو وصل إلى الاستقرار الذي عرفه جيل السبعينات، ولا هو عاش خفة الحياة التي يتمتع بها جيل الألفينات.
يقف في المنتصف، عالقًا بين نموذج قديم لم يعد ممكنًا، ونموذج جديد لم يكن جزءًا منه.
كل مرحلة يحققها تتحول سريعًا إلى نقطة بداية جديدة، وكل إنجاز يُنتزع بجهد مضاعف، تسبقه أزمة أو تلحقه صدمة.
جري متواصل بلا لحظة ثبات، وسعي دائم لا يترجم إلى شعور بالأمان.
إنه جيل لا يطلب الرفاهية، بل فقط أن يشعر أن ما يبذله من عمره لا يضيع هباءً، وأن الطريق، مهما طال، له نهاية يمكن الوصول إليها
بالنسبة لهذا الجيل، لم تكن السياسة مادة نظرية ولا نقاشًا على المقاهي.
كانت تجربة معاشة، مشحونة بالأمل، والخوف، والرهان على المستقبل.
شارك كثيرون في لحظة بدت وكأنها إعادة كتابة للتاريخ، لحظة صدّقوا فيها أن الصوت له قيمة، وأن المشاركة العامة يمكن أن تغيّر المسار.
لكن ما تلا ذلك كان أكثر تعقيدًا من الشعارات، وأقسى من قدرة الأفراد على الاحتمال.
لم يكد هذا الجيل يعيد ترتيب علاقته بالعالم، حتى جاءت جائحة كورونا لتفرض قطيعة شاملة مع كل ما هو مألوف.
الحجر الصحي لم يكن مجرد إجراء وقائي، بل صدمة نفسية واجتماعية واقتصادية.
توقفت الحياة فجأة، وتكشفت هشاشة الأمان الوظيفي، وظهر بوضوح الفارق بين من يملك رفاهية العمل عن بعد، ومن يعتمد على الحضور اليومي ليملك قوت يومه.
بالنسبة لجيل ما قبل الترند، كانت الجائحة بمثابة اختبار قاس:
اختبار للقدرة على الاحتمال، والتكيّف، والنجاة بأقل الخسائر الممكنة.
جيل وجد نفسه مطالبًا بالتماسك في عزلة طويلة، بينما المستقبل معلق بلا ملامح.
فرضت الجائحة عزلة قسرية، وقطعت الحياة اليومية بشكل كامل، لتكشف هشاشة العديد من القطاعات الاقتصادية. فقد الكثير من الناس وظائفهم، وأغلقت بعض المتاجر والشركات أبوابها، ما زاد من الضغط النفسي على الشباب الذين كانوا يعتمدون على أعمالهم ومشاريعهم لكسب العيش.
واجه الجيل نفسه مطالبا بالتماسك النفسي في عزلة طويلة، ومحاولة الحفاظ على التوازن وسط فقدان الاستقرار الاقتصادي، بينما كانت المخاطر تتضاعف يوميا. أظهرت الأزمة فجوة واضحة بين من يملك فرصة للعمل عن بعد، ومن يعتمد على الحضور الفعلي للبقاء، ما جعل التحديات أكبر بالنسبة لمن لم يكن لديهم بدائل.
في هذه الفترة، أصبح الشعور بعدم الأمان مسيطرا على حياتهم اليومية، إذ كان عليهم مواجهة فقدان الموارد، وتأجيل الأحلام، ومجابهة تحديات جديدة لم تكن متوقعة، في تجربة فرضت عليهم إعادة ترتيب أولوياتهم بسرعة، والتكيف مع واقع مفاجئ ومؤلم.
إذا كانت الثورة صدمة أمل، وكورونا صدمة خوف، فإن التضخم هو صدمة الاستنزاف اليومي.
أزمة لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة.
ارتفاع الأسعار، تآكل الدخل، تقلص القدرة الشرائية، وتحول الأساسيات إلى عبء.
لم يعد القلق مرتبطًا بالمستقبل البعيد فقط، بل بالحسابات اليومية: الإيجار، التعليم، العلاج، ومتطلبات الحياة البسيطة.
هذا الجيل لم يطلب الرفاهية، بل الاستقرار.
ومع ذلك، يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع اقتصادي يفرض عليه التنازل المستمر، وتأجيل الأحلام مرة أخرى.
على عكس الأجيال الأحدث، لم يمتلك هذا الجيل أدوات الحكي السريع.
لم يكن هناك “ترند” يوثق المعاناة، ولا خوارزميات تمنح التعاطف.
تجاربه لم تقدّم في قالب جذاب، بل عاشت في الصمت:
في القلق المزمن، وفي الشعور بالإنهاك، وفي الإحساس بأن كل مرحلة تستهلك ما تبقى من الطاقة.
جيل تحمّل كثيرًا، لكنه لم يشتكِ كثيرًا.
ربما لأنه تعلّم مبكرًا أن الشكوى لا تغيّر الواقع، وأن النجاة الفردية أصبحت الهدف الأساسي.
جيل ما قبل الترند لم يسقط، ولم يختفِ، لكنه أُنهك وهو يحاول البقاء واقفًا، كثيرا منهم لم يستقر لم يكون اسره ، لم يقف على عتابات الامان المالي.
عبر الأزمات واحدة تلو الأخرى، دون أن يمنح فرصة حقيقية لإلتقاط انفاسه أو إعادة التشكّل.
في النهاية..
جيل يجري منذ سنوات، لا ليصل… بل فقط كي لا يسقط…
دكتورة مريم علام دكتوراة القانون المدني