كي لا تُصبح العقولُ بضاعةً مُهرّبة (لا تتركوا الحبلَ على الغارب)
المرفأ- كتبت : منى توفيق عثامنه
إنّ الأمن المجتمعي صناعةٌ محليّة ، والقضايا الوطنيّة لا تُختزن في عُلب ، فقد سكبوها في زجاجةٍ ثمَّ باعوا المحقان في سوقِ الحرامية ، وحين ناشد الناس حلولاً ثقبوا الزجاجةَ فانكسرت ، وتبعثرت أوراقُنا تتقاذفها رياحُ الإعلام وقنواتُ التواصل ، فتكاثرت وأنجبت عشرات القضايا ، وكلُّها تضيع ُ في تيهِ الطرح بلا خرائط للوصول .
فالأبواب لا تغلقها أقفالٌ ومفاتيح ، بل أعذارٌ وإهمال وتقصير .
لذلك ونحن نستهدف السلامة للجميع ، علينا أوّلاً أن نتراحم فيما بيننا .
في مسائل المُلك والإيجار فلا تهيمن مبالغة برفع الأجور العقارية سواء سكنية أو تجارية ولا تقاعس بالدفع من قبل المستأجر .
كما أن التسامح بالجرائم والمشكلات الاجتماعية ، يضاعف انتشارها فمن أمن العقاب أساء الأدب .
ومن واجب المجتمع تجاه نفسه حماية الأُسرة وتنشئة رجالٍ قادرين على صون الزوجة واحترامها ، كما أنّه لا بد من إصدار وثيقة تحفظ حقوق النساء فما يتبع الزواج من مصاريف منفصلة عن المهر الشرعي أضعاف ما يُسجّل لها من حقوق وكلها تكاليف وعناء وديون و مظاهر زائلة من حفلات وصالونات وشهر عسل وغيرها ، أليس الأولى أن تقبض العروس مهرها مقدّماً خيراً الف مرة من الجاهات والحفلات الذي لا تنفع في بناء الأسرة في شيء .
إنّنا نغمض أعيننا عن رؤية الحقيقة ، حتى ضعف دور الأُسرة ، وتمادى الجهلاء بالضياع حين تُرِك الحبل على الغارب!!!!
وما السلوكات المنحرفة إلا نتاج الدلال أو الحريّة المفرطة أو التفكك الأسري ، أو التأثر بالتكنولوجيا وألعابها ومحتوياتها .
لقد باتت كثير من قضايانا المجتمعية خارج حدود السيطرة والتوجيه وحتى الردع والتأنيب .
إنَّ أيَّ مجتمعٍ غابت قيمه ومعاييره ، تنمو فيه وساوس النفس والشيطانين ، ويُصبح أبناءه لقمةً سهل التهامها .
لقد أصبحت الآثار الاجتماعية الضارّة معاناةً كبرى ، تُرمى عليها أعذارٌ أقبح منها : غلاء فقر بطالة الخ .
في حين أنّ الأخلاق مجانيةٌ ، لا دخل لها بفقير أو غني وإنما الأُمم الأخلاق ، وحين ساءت كثيرٌ من الأخلاقيات لم تصدر عن فقراء أو عاطلين عن العمل بل عن فقراء الضمير عديمي الأدب بعيداً عن فكرة غنى وفقر مال.
ذلك لأن الإنسان بفطرته يتأثر بالبيئة والمدرسة والجيران والمجتمع ، وفي هذا العصر أصبحت المعرفة لا تقتصر على ما ينفع من العلوم !! فأنت تعرف الأخبار لكن ربما لا تفهم مراميها ولا تعلم أسباباً ولا دوافع ولا مخططات ، فمن خلال وسائل الإعلام تصل المعرفة ، وتتطوّر التكنولوجيا فلحظات البث المباشر تنقل كلّ شيء من كلّ بقعة على وجه الأرض ، دون بذل أيّ مجهود .
لكن هذه المعرفة ربما تتسبب بكوارث سلوكية وجرائم وفواجع .
لقد طُمست الخبرات الإيجابية خلف انتشار المواقع التكنولوجية السلبية ، ولذلك علينا أن نطالب بتقنين هذه المواقع وترخيصها ، وفرض رسوم عليها إن كانت مربحة ، وضبطها ببنود عقوبات اذا تجاوزت حدود القيم ومعايير المجتمع .
لقد كان الناس قديماً يخافون على اولادهم من مخالطة الأشرار أو السفر لبلاد مختلفة الثقافة ،لكن جميع المؤثرات تأتيهم اليوم دون ان يتحرّكوا من مكان جلوسهم .
إنّ هذه الثورة السيبرانية العظمى التي احتوت كثيراً من الخير والخدمة للبشرية لكنها أيضاً سلاحٌ خطير يهدِّد أمن الأوطان والمجتمعات والأُمم .
أما فيما يتعلّق بالبطالة فإنّ للمجتمع دور بالمساهمة في تسهيل المهام ، حيث أن الفرص الحكومية وحتى القطاع الخاص محدودة وتتلقفها الأيدي الطائلة ، فالطبيب او التاجر او المهندس اذا استأجر عقارا للعمل من داخله فإن الأجور باهضةٌ لا ترحم ، وكذلك الأعمال الحرفية والزراعية والانتاجية تعترضها العراقيل .
فإلى متى تتأخر الجهات المعنيّة عن واجبها بضبط هذه الأمور بلغة القانون وتحمي أبناءنا من أن تتحوّلَ قدراتهم إلى عقولٍ مهَرّبةٍ أو طاقاتٍ مُصَفّدة .
ونحن دولة مؤسسات وقانون ، فيه مجلس الأمّة ينشغل بعض أفراده بالمكاسب والمناصب والتنافس على الظهور والتصريحات المُحبطة ثم الاعتذار عنها باليوم التالي ؟؟؟!!!
اذا لم تتحرك هيئات اجتماعية تقود الإصلاح المجتمعي
فإنّ لسان حالنا سيكون كما في الآية الكريمة نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم :
{ أو كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ}