عدم الاستقرار في القرن الأفريقي إثيوبيا والصومال وإريتريا ..كتب احمد صفوت السنباطي

2٬179

 

المرفأ- يتشكل القرن الأفريقي من رحم الجغرافيا القاسية والتاريخ المعقد، حيث تلتقي القارة الأفريقية بالمحيط الهندي وباب المندب، البوابة الاستراتيجية إلى البحر الأحمر وقناة السويس لكن هذه المنطقة الحيوية، المكونة من إثيوبيا والصومال وإريتريا، لم تكن يوماً سوى بؤرة للاضطراب المستمر، كأنها قدر محتوم على النار أن تظل تحت قدميه فالاستقرار هنا ليس مجرد غياب للحرب، بل هو حالة نادرة ومتقطعة، تتخللها فترات من الصراعات الدموية والمجاعات والتدخلات الخارجية إثيوبيا، العملاق السكاني الذي يضم أكثر من 120 مليون نسمة، تحمل في أحشائها تركيبة عرقية ودينية معقدة تشبه قنبلة موقوتة، حيث تحولت من دولة مركزية قوية تحت حكم الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي إلى مرجل يغلي بصراعات داخلية، أشعلتها الحرب الأهلية المريرة في إقليم تيغراي التي استمرت عامين وخلفت آلاف القتلى وملايين النازحين هذه الحرب لم تكن مجرد تمرد مسلح، بل كانت اختباراً مدمراً لنسيج الدولة الفيدرالية الإثيوبية، وكشفت هشاشة التوازنات بين القوميات الكبرى مثل الأمهرة والأورومو والتيغراي، حيث يمكن أن تتحول التحالفات السياسية بين عشية وضحاها إلى حروب إبادة تطال المدنيين واليوم، رغم هدنة هشة، تظل التوترات قابلة للاشتعال في أي لحظة، بينما تواجه البلاد أزمة اقتصادية حادة وتحديات هائلة في تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية، في مشهد يعيد إلى الأذهان شبح انهيار الدولة الذي عاشته الصومال من قبل.

الصومال، الجار الجنوبي لإثيوبيا، يمثل النموذج الأكثر قتامة لفشل الدولة في العصر الحديث منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991، دخلت البلاد في نفق مظلم من الفوضى، تحولت فيه العاصمة مقديشو إلى ساحة حرب بين أمراء الحرب، ثم إلى معقل لتنظيم الشباب الإرهابي المرتبط بالقاعدة هذا التنظيم لم يكتف بالسيطرة على مناطق واسعة، بل صدر الإرهاب إلى جواره، حيث نفذ هجمات دموية في كينيا وأوغندا، مما جعل الصومال مصدر قلق أمني لدول شرق أفريقيا بأكملها المحاولات المتكررة لإقامة حكومة مركزية، بدعم من بعثة الاتحاد الأفريقي (أميصوم) والقوى الدولية، واجهت عقبات جمة الفساد المستشري، وولاءات القبائل والعشائر التي تفوق ولاءها للدولة، والتدخلات الخارجية المتنافسة (خاصة من قطر وتركيا من جهة، والإمارات والسعودية من جهة أخرى) التي تزيد من تعقيد المشهد النتيجة هي دولة هشة لا تسيطر بالكامل على أراضيها، يعتمد جزء كبير من سكانها على المساعدات الإنسانية، ويشكل خليج عدن وسواحل المحيط الهندي ملاذاً آمناً لقراصنة كانوا يهددون الملاحة العالمية.

إريتريا، الدولة المنعزلة على ساحل البحر الأحمر، تضيف بُعداً آخر من الاستقرار السلبي فالنظام الاستبدادي للرئيس أسياس أفورقي، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 بعد حرب تحرير طويلة، حوّل الدولة إلى ثكنة عسكرية شبه مغلقة، حيث الخدمة الوطنية الإجبارية التي تمتد لعقود، وانتهاكات منهجية لحقوق الإنسان، واقتصاد متدهور هذا الانعزال والعداء التاريخي مع إثيوبيا (الذي انتهى بسلام مفاجئ عام 2018 ثم عادت التوترات) جعلا من إريتريا لاعباً غير متوقع ولكنه مؤثر، حيث تدخلت قواتها في حرب تيغراي إلى جانب الحكومة الإثيوبية، مما عمق من أزمة المنطقة صوماليو إريتريا الفارون من الخدمة والاضطهاد يشكلون أحد أكبر موجات اللاجئين في العالم، مما يضغط على دول الجوار.

هذا الثلاثي غير المستقر (إثيوبيا الممزقة داخلياً، الصومال الفاشلة، إريتريا المنعزلة) يخلق بيئة خصبة للأزمات المتعددة الإرهاب العابر للحدود، الجريمة المنظمة وتهريب البشر والأسلحة، المجاعات المتكررة بسبب الجفاف والصراعات، والتدخلات الجيوسياسية للقوى الخارجية التي تتسابق على النفوذ في هذه البوابة البحرية الحيوية استقرار القرن الأفريقي لم يعد شأناً محلياً، بل هو قضية أمن دولي تتعلق بأمن الملاحة العالمية ومكافحة الإرهاب ومواجهة الهجرة غير الشرعية حل هذه المعضلة يحتاج إلى رؤية إقليمية تعالج جذور الصراع بناء مؤسسات دولة قادرة على إدارة التنوع، ومعالجة المظالم الاقتصادية والهوياتية، وخلق إطار للتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة بدلاً من التنافس والاشتباك دون ذلك، سيبقى القرن الأفريقي جمرة تحت الرماد، قادرة على إشعال حريق كبير في أي لحظة

قد يعجبك ايضا