افاق التطورات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية لعام 2026″
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
تلوح في أفق عام 2026 صورة لعالم لا هو بالجديد تماماً ولا بالقديم المألوف، بل هو عالم في حالة مخاض عسير، يحمل تناقضات صارخة بين التقدم التقني الهائل والتراجع في التعاون السياسي، وبين آمال التنمية الاقتصادية وواقع التشرذم الاستراتيجي ستكون التطورات السياسية محكومة بلعبة شدّ حبل كبرى بين محورين الأول هو الدفع نحو “تعددية الأقطاب الصلبة”، حيث تصرّ قوى صاعدة مثل الصين، وتسعى قوى إقليمية مثل الهند وتركيا والمملكة العربية السعودية، إلى إعادة كتابة قواعد النظام العالمي بما يعكس أوزانها الجديدة، ليس عبر الثورة عليه كلياً بل عبر ثنيه ليتسع لمصالحها وفي المقابل، يسعى المحور الثاني إلى “الحفاظ على النظام الليبرالي المعدل”، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، الذين يحاولون إصلاح المؤسسات الدولية والتحالفات القديمة مثل الناتو لتكون أكثر مرونة في مواجهة التحديات الجديدة، خاصة التهديد الصيني لن يكون المشهد حرباً باردة ثنائية بسيطة، بل سيكون فسيفساء من التحالفات المتغيرة والصراعات المحدودة، حيث تتصارع النماذج أكثر من تصارع الدول.
على الصعيد الاستراتيجي، ستكون الكلمة الفصل للتكنولوجيا، حيث يتحول التنافس من الأرض والبحار إلى “المجال الرقمي والفضائي” سيتسارع سباق التسلح في الفضاء الخارجي، مع تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، ويصبح الفضاء الإلكتروني ساحة حرب دائمة للاستخبارات والتأثير والتخريب ستستمر الحروب الهجينة، حيث تختلط الأدوات العسكرية التقليدية بحروب المعلومات والعقوبات الاقتصادية وهجمات الفدية الإلكترونية على البنى التحتية الحيوية ستكون الاستراتيجية العليا هي تحقيق “الردع عبر عدم الاستقرار”، أي القدرة على خلق مخاطر لا يمكن للخصم حسابها، مما يثنيه عن العمل في هذا الإطار، ستشهد مناطق مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي وشرق أوروبا استمراراً للتوتر على حافة الهاوية، مع إجراء مناورات عسكرية ضخمة واختبارات للصواريخ، بينما تتجنب جميع الأطراف بذكاء الدخول في صراع مباشر مكلف الأمن لم يعد يعني غياب الحرب، بل يعني القدرة على إدارتها عند الحدود الدنيا من التصعيد.
أما اقتصادياً، فسيكون العام محطة مهمة في رحلة التحول من “العولمة المتكاملة” إلى “العولمة المرنة والمجزأة”. ستستمر سياسات “إعادة التصنيع” وتقصير سلاسل التوريد، لا كخيار مثالي، بل كضرورة أمنية قومية ستخلق هذه السياسات كتل اقتصادية إقليمية أكثر تماسكاً (مثل التعاون الآسيوي بقيادة الصين، أو السوق الأمريكية الشمالية)، مع استمرار التجارة العالمية لكن بقيود أمنية وتكنولوجية أكبر التضخم وآثار رفع أسعار الفائدة ستظل التحدي الأكبر، مما يدفع البنوك المركزية إلى سير على حبل مشدود بين كبح الأسعار ودعم النمو الاستثمار الهائل في التقنيات الخضراء والطاقة المتجددة سيتسارع ليس لأسباب بيئية فقط، بل لكونه معركة السيادة الاقتصادية والاستقلال الطاقة القادمة سيكون النجاح للدول التي تستطيع تحقيق التوازن بين الانفتاح التجاري الضروري وبين تحصين اقتصادها الداخلي، أي بناء “حصون اقتصادية ذكية” قادرة على الصمود.
خلاصة القول، إن أفق 2026 لن يحمل نهاية العالم، ولن يحمل سلاماً شاملاً إنه عام “الانتقال الحرج”، حيث تتراكم خيارات الماضي وتفضي إلى مسارات مستقبلية أكثر وضوحاً ستكون إدارة التعقيد هي المهارة الأكثر قيمة للدول، وقدرة النظام الدولي على امتصاص الصدمات دون انهيار كامل ستوضع تحت الاختبار الأقصى قد لا نرى حرباً عالمية، لكننا سنعيش في عالم من الاضطراب المنظم، حيث تكون القوة الحقيقية هي المرونة، وليس الهيمنة المطلقة