مفاوضات تحت النار.. إيران وأميركا على حافة الانفجار
د.منذر الحوارات
هذا السياق يفرض تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام مسار تهدئة تدريجية أم إدارة وقت تسبق الانفجار؟ ويعزز هذه الأسئلة حجم التباعد بين الأجندات، فإيران تحصر التفاوض بالبرنامج النووي، وترفض إدخال البرنامج الصاروخي أو دعم الأذرع الإقليمية، باعتبارها عناصر سيادة وأدوات ردع وجودية، مستحضرةً التجربتين الليبية والعراقية كأمثلة على ما تعتبره سوء نية أميركية، ويعطي ذلك انطباعاً بأن التفاوض الإيراني يهدف إلى تبريد الاندفاع الأميركي وكسب الوقت، انطلاقاً من قناعة بأن إطالة المسار لا تصب في مصلحة الرئيس ترامب.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى المفاوضات، في ظل هذا الحشد، باعتبارها فرصة أخيرة لامتثال إيران قبل الذهاب إلى الخيار العسكري المكلف، لذلك تطرح حزمة شاملة تشمل النووي والصاروخي ووقف دعم الأذرع، ما يؤكد أن المسار التفاوضي بالنسبة لها محدود زمنياً، هذا الاختلاف يعكس تبايناً جذرياً في تعريف المفاوضات نفسها، ويفسر إدارتها تحت الردع والتهديد بالحرب، ففرض عقوبات جديدة أثناء التفاوض، واستمرار استعراض الأساطيل، رسالة بأن اليد الأميركية ما زالت على الزناد، بينما تردّ إيران بالردع عبر استعراض «خرمشهر 4» والتأكيد أن أي ضربة لن تمر بلا ثمن.
يتضح هنا أن الزمن عنصر حاسم في حسابات الطرفين، وكأننا أمام صراع على من يتعب أولاً، واشنطن ترى أن كل جولة بلا نتائج تعني مماطلة مقصودة، ومع ضغط الوقت على إدارة ترامب يصبح انقضاء الزمن دون اختراق تهديداً لهيبة الردع الأميركي وضغطاً سياسياً داخلياً، ما يجعل الصبر الأميركي محدوداً، وربما أقصر مما تتوقعه طهران، في المقابل، ترى إيران الوقت أداة إستراتيجية؛ إذ يعني تآكل الحماسة العسكرية وتعقيد قرار الحرب داخل الولايات المتحدة، وفتح الباب أمام انقسامات سياسية داخلية كلما طال المسار، وبذلك، لا يقتصر الصراع على الشروط، بل يمتد إلى إدارة الزمن نفسه.
نحن إذن أمام مفاوضات يوظفها كل طرف لخدمة أهدافه؛ فواشنطن قد تراها جسراً إلى الحرب أو لتبريرها، بينما تعتبرها طهران وسيلة لمنعها أو استنفاذها قبل أن تبدأ، وفي هذا الهامش الضيق، تحاول دول الإقليم، مصر والسعودية وتركيا، تأجيل الانزلاق إلى المواجهة ومنح الدبلوماسية فرصة حقيقية، غير أن دورها يبقى محصوراً في تأجيل الانفجار لا منعه، ما يجعله أقرب إلى فرامل زمنية قد يستهلكها اندفاع واشنطن نحو الحسم، ورهان طهران على أن هذه الجولة تشبه سابقاتها.
وسط هذا المشهد، لا يمكن تجاهل الدور التفجيري المحتمل لإسرائيل، التي ترى أن أي اتفاق غير شامل يمثل خطراً مؤجلاً، وترفض فصل الملفات أو القبول بتفاهمات مرحلية تستهلك الوقت، والأسوأ أن إسرائيل قد تلجأ، إذا رأت أن المسار التفاوضي لا يخدم إستراتيجيتها، إلى عمل عسكري أو استخباري محدود ينسف المفاوضات ويضع واشنطن أمام خيار الحرب كأمر واقع، صحيح أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى ضربة جراحية أثناء المفاوضات، والغاية إعادة رسم قواعد الاشتباك التفاوضية، إلا أن ذلك لا يضمن بقاء إسرائيل خارج المشهد.
أما فرص التوصل إلى اتفاق شامل فلا تبدو واقعية حالياً، والسيناريو الأرجح هو تفاهم نووي محدود مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، ما يُبقي المنطقة عالقة في مساحة خطرة بين الحرب والسلام، فالمفاوضات من دون نية جادة لا تُغلق باب الحرب، بل تؤخر فتحه فقط، فيما يبقى أي خطأ في الحسابات أو أي عمل منفرد كفيلاً بدفع المنطقة إلى ما لا تُحمد عقباه.
في النهاية، نحن لم نصل بعد إلى مرحلة الانفراج، ولم نبلغ حتمية الحرب، لكننا نقف في أخطر منطقة بينهما، حيث يمكن لخطأ صغير أو سوء فهم أن ينُجب حرباً كبرى.