التأدّب مع رسول الله ﷺ وأثره في بناء الإيمان والأمة بقلم الدكتورة اسماء. عبد العظيم محمد
المرفأ- يُعَدّ الأدبُ مع رسولِ الله ﷺ أصلًا عظيمًا من أصول الدين، وركنًا راسخًا من أركان كمال الإيمان؛ إذ إنَّ مقام النبوّة مقامٌ جليلٌ اصطفاه الله تعالى وشرَّفه بالوحي والرسالة، وجعل تعظيمه وتوقيره من تعظيم الله سبحانه, وقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مؤكدةً هذا المعنى، ومقررةً أن الأدب مع النبي ﷺ قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، علامةُ صدق المحبة، ودليلُ سلامة العقيدة، وأساسُ الاقتداء والهداية.
ويتناول هذا المقال بيان مظاهر التأدّب مع رسول الله ﷺ من خلال جملة من المحاور الجامعة:
أولًا: الأدب في صيغة الصلاة عليه ﷺ
إن الصلاة على النبي ﷺ من أجلِّ القُرَب، وأعظمِ مظاهر الأدب معه، وقد أمر الله تعالى بها في كتابه العزيز فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56].
ومن الأدب في صيغة الصلاة عليه ﷺ أن تكون كاملةً مشروعةً، جامعةً للصلاة والسلام، خاليةً من الاختصار المخل أو الألفاظ الجافة، لما في ذلك من تعظيم شأنه، وإظهار محبته، وامتثال الأمر الإلهي على الوجه الأكمل. وقد أكد العلماء أن الإكثار من الصلاة عليه سببٌ في نيل شفاعته، ورفعة الدرجات، وتكفير السيئات.
ثانيًا: الأدب في صحبة سنته ﷺ
تُعَدّ سنة النبي ﷺ المصدرَ الثاني للتشريع، وهي البيان العملي للقرآن الكريم، ومن تمام الأدب معه ﷺ تعظيمُ سنته، وتلقيها بالقبول والتسليم، وتقديمها على الآراء والأهواء ويتحقق الأدب في صحبة سنته باتباعها ظاهرًا وباطنًا، والحرص على فهمها فهمًا صحيحًا وفق مناهج أهل العلم، والدفاع عنها، والذبّ عنها عند الشبهات، والبعد عن الاستخفاف بها أو ردّها أو التقليل من شأنها؛ لأن في ذلك انتقاصًا لمقام النبوة، ومخالفةً صريحةً لأمر الله تعالى.
ثالثًا: الأدب مع أهله ﷺ
إن من تمام الأدب مع رسول الله ﷺ الأدبَ مع أهل بيته الكرام، وزوجاته أمهات المؤمنين، رضوان الله عليهم أجمعين. فقد أوصى النبي ﷺ بأهل بيته، وأكد مكانتهم، وجعل محبتهم من محبته، والإحسان إليهم من الإحسان إليه.
ويتمثل هذا الأدب في توقيرهم، ومعرفة فضلهم، والترضي عنهم، والبعد عن الغلو فيهم أو الجفاء بحقهم، وسلوك منهج الاعتدال الذي قرره أهل السنة والجماعة، حفظًا لجناب النبوة، وصيانةً لوحدة الأمة.
الأدب مع والدي رسول الله ﷺ
ومن تمام الأدب مع رسول الله ﷺ الأدبُ في الحديث عن والديه الكريمين، ببيان ما قرّره جمعٌ من أهل العلم من كونهما من أهل الفترة الذين لم تُبلُغهم دعوة نبيٍّ تقوم بها الحُجّة، مع احترام ذكرهما، والوقوف عند ما ثبت من النصوص، وصيانةً لجناب النبوّة وتعظيمًا لمقامه الشريف.
كما يتحقق الأدب مع والدي النبي ﷺ بذكرهما بالخير، واحترام نسبه الشريف، والإقرار بأن الله تعالى اصطفى نبيَّه ﷺ من أطهر الأنساب، وأشرف البيوت، وأن ذلك من تمام حكمته في اختيار رسله، وقد أكّد أهل العلم أن صيانة هذا المقام واجبة، وأن حسن الأدب فيه دليل تعظيمٍ للنبي ﷺ، وصدق محبةٍ له.
ومع توضيح ذلك، ينبغي فهم معنى “أهل الفترة”، وهم الذين عاشوا بين بعثتين أو في زمنٍ لم تُبلّغ فيه الرسالة النبوية بشكل واضح، بحيث لم يفرض عليهم التكليف الشرعي لعدم وصول البيان إليهم, ومن بين هؤلاء والدا النبي ﷺ، اللذان عاشا في زمن لم يُعرض فيهما النذير ولم يُبلَّغا بالرسل السابقين، ولذلك لم يكونا معذَّبين، كما بين الله تعالى
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
كما يؤكد الله تعالى أن دعوة النبي ﷺ جاءت للناس الذين لم تصلهم الحجة، فقال سبحانه ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3].
ومع ذلك، فقد حذر القرآن الكريم من إيذاء النبي ﷺ ، فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]، ومن يخالف الأدب الواجب تجاه النبي ﷺ ووالديه يدخل ضمن هذا التحذير، مشمولًا بالعقوبة، ويستحق اللعن.
وعليه، فإن الأدب مع والدي رسول الله ﷺ هو جزء من الأدب الكامل مع النبي ﷺ، يظهر بالاحترام والتقدير، وذكرهما بالخير، وفهم موقعهما ضمن أهل الفترة، والالتزام بما ثبت من النصوص، مع ترك ما لم يرد دليلٌ قاطع عليه، حفاظًا على مقامه الشريف وتعظيمًا لشأنه، وصدق محبة للنبي ﷺ، وإقرارًا بحكمة الله تعالى وعدله في التكليف والاختيار.
رابعًا: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ
توقير النبي ﷺ وتعظيمه واجبٌ شرعيٌّ ثابتٌ بالكتاب والسنة، قال تعالى ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:9].
ويشمل ذلك تعظيم اسمه، وخفض الصوت عند ذكره، واحترام حديثه، وعدم تقديم أي قول أو رأي على قوله، وتعظيم شعائر الدين المرتبطة به ﷺ. وقد اعتبر العلماء أن نقص التوقير دليل خللٍ في الإيمان، وأن كمال التعظيم من كمال التوحيد والطاعة.
خامسًا: بيان فضله ﷺ على الأمة الإسلامية
للنبي ﷺ فضلٌ عظيمٌ على أمته؛ إذ أخرجها الله به من الظلمات إلى النور، وهداها إلى الصراط المستقيم، وعلّمها الكتاب والحكمة، وزكّى نفوسها، وجمع كلمتها بعد فرقة
كما كان ﷺ أحرص الناس على أمته، وأشفقهم عليها، وداعيًا لها في حياته وبعد مماته، وساعيًا في نجاتها وفلاحها، حتى استحق أن يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
سادسًا: ذكر فضله ﷺ على العالمين
لم تقتصر رسالة النبي ﷺ على أمةٍ دون أمة، بل كانت رسالةً عالميةً شاملة، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء:107].
فكان ﷺ رحمةً في تشريعه، وعدله، وأخلاقه، وسيرته، وانتشر نوره في أرجاء الكون، فأقام ميزان العدل، وكرّم الإنسان، وأرسى مبادئ الرحمة والسلام التي لا تزال البشرية تنتفع بها إلى اليوم.
سابعًا: ذكر بعض شمائله ﷺ
ولقد تجلّت شمائل النبي ﷺ في كمال الخَلْق وحسن الأَخْلاق، فقد كان ﷺ أصدق الناس حديثًا، وأوفى الناس عهدًا، وألين الناس في المعاملة، وأعدل الناس في القضاء، وأشفق الناس على أمته,
وكان ﷺ قدوةً في الصبر على البلاء، والتحلّي بالحلم، والكرم، والتواضع، وحسن الخلق مع الجميع، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، ومع العدو قبل الصديق.
وقد جاءت النصوص الكثيرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة لتبيّن هذه الصفات، وتؤكد على اتباعها والاقتداء بها، فاقتفاء سنته في شمائله الخلقية والأخلاقية يعد من أعظم صور التأدب مع شخصه الكريم ﷺ، وسبيلًا لنيل محبته، ورضوان الله، وامتثالًا لتعاليمه العملية.
وفي الختام، فإن التأدّب مع رسول الله ﷺ أصلٌ جامعٌ لكل خير، وسبيلٌ إلى كمال الإيمان، وصلاح القلوب، واستقامة السلوك.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الأدب مع نبيه ﷺ، وكمال الاتباع لسنته، وصدق المحبة له، وأن يحشرنا في زمرته، ويسقينا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، وحسن الخاتمة في القول والعمل، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
جامعة الأزهر