حين تتعب النفس… يثقل الجسد بقلم دكتورة إيمان فوزي

3٬305

المرفأ- كم من مرة كانت التحاليل مطمئنة، وكل شيء في الجسد يبدو على ما يرام، ومع ذلك نشعر بثقلٍ لا نفهمه؟ نحاول أن ننهض فنجد أبسط الأمور مرهقًا، وكأن في داخلنا حجرًا خفيًا يشدّنا إلى الأسفل. أكتب هذا لأنني رأيتُه كثيرًا؛ رأيت أشخاصًا لا يشكون من مرضٍ ظاهر، لكنهم منهكون من الداخل، والحقيقة التي نغفل عنها أن النفس حين تتعب يثقل الجسد تبعًا لها، وأن الحالة النفسية ليست أقل أثرًا من الحالة العضوية، بل قد تكون أسبق وأعمق. قد يبدو إحضار كوب ماء مهمة شاقة إذا كان القلب مثقلاً بخيبة أو بإهمال طال أو بكلمة تقليل تكررت حتى صدّقناها، وقد نجد في يومٍ آخر طاقة تكفينا لأعمال كثيرة لأننا فقط شعرنا أننا مُقدَّرون وأن ما نفعله له معنى، فالفرق ليس في العضلات بل في الإحساس الصادق. نرى ذلك في بيوتنا وأماكن عملنا؛ إنسانة تبدأ يومها بنشاط ظاهر تتحمل وتبادر، فإذا قوبل جهدها بالصمت أو الاعتياد أو البرود خفت اندفاعها شيئًا فشيئًا، وموظف يدخل مكتبه بأفكار جديدة ثم يعود مثقلاً لأنه لم يسمع كلمة تقدير واحدة، ليس لأنهم ضعفاء بل لأنهم بشر، فالنفس تحتاج أن تُرى وأن يُعترف بجهدها وأن يُحاط عطاؤها ببعض الامتنان الحقيقي. نحن نُكثر الحديث عن الصبر والتحمل، لكننا ننسى أن التحمل الدائم دون احتواء يستهلك الروح ويستنزفها ببطء، نطلب المزيد وننتقد التقصير ونعتبر العطاء واجبًا لا يُشكر، ثم نتعجب لماذا خفت البريق في العيون. رفقًا بالناس، ليس كل تعب سببه خلل في البدن وليس كل فتور كسلًا، أحيانًا تحتاج الروح إلى كلمة عادلة ولمسة تقدير وشعور بالأمان أكثر مما تحتاج إلى دواء، وحين تُصان النفس وتُكرم ينهض الجسد تلقائيًا وتعود الطاقة من حيث لا نحتسب ويشرق في العيون ذلك النور الذي لا تصنعه التحاليل بل يصنعه الاحتواء والاهتمام الصادق الدافئ.

قد يعجبك ايضا