رمضان.. شهر الانتصارات: “عين جالوت” زلزال الأرض الذي حمى مآذن العالم

3٬283

المرفأ- ​مع إطلالة هلال شهر رمضان المبارك، تهبّ علينا نسمات ليست ككل النسمات فهي محملة برائحة العزة وصدى صليل السيوف الذي غير وجه التاريخ. فبينما يتهيأ المسلمون اليوم لشد الرحال إلى المساجد، كان أجدادنا في مثل هذه الأيام من عام 658 هجرياً يشدون السروج على خيولهم في عين جالوت يخوضون صراعاً وجودياً لم يكن يهدف لحماية حدود بل لمنع انطفاء شمس الإسلام إلى الأبد.

​المشهد الأول: دنو الإعصار

​تخيل نفسك واقفاً على أعتاب فلسطين.. الدنيا تحبس أنفاسها. أمامك “كتبغا” القائد المغولي الذي لا يرحم يرقب السهل بعينين صقريتين وخلفه جيش أسطوري لم يذق طعم الهزيمة قط كان يظن أن صيام المماليك سيجعلهم لقمة سائغة وأن دماء بغداد ستسيل هنا في شعاب الوادي.
​المصيدة: طُعم الأسد بيبرس

​انظر الآن من فوق التلال.. ترى الظاهر بيبرس يتقدم بفرقة الانتحاريين. وفجأة، وبأداءٍ عبقري، يظهر الانكسار على وجوه رجاله، يبدأون بالانسحاب التكتيكي كأنهم هُزموا. يبتلع “كتبغا” الطُعم كاملاً؛ يصرخ بجيشه للاندفاع، يهرولون خلف بيبرس إلى قلب الوادي.. وهنا وبإشارة خاطفة أُغلقت المصيدة وتدفق المماليك من كل صوب كالصواعق المنزلة.
​اللحظة الفارقة: صرخة شقت عنان السماء

​تأمل المشهد الآن: الغبار يملأ الحناجر وضغط المغول الكاسح يكاد يكسر ميمنة المسلمين في تلك الثانية التي يفصل فيها بين النصر والعدم يخلع سيف الدين قطز خوذته يلقيها على الرمال صائحاً بصوت زلزل الجبال​”واإسلاماه.. يا الله انصر عبدك قطز على التتار”.

​كانت الصرخة بمثابة تيار كهربائي أعاد النبض للأجساد المتعبة لم يعد قطز سلطاناً يراقب بل صار جندياً يضرب بسيفه يميناً وشمالاً. تحول الصيام إلى قوة والخوف إلى بركان غضب لا يبقي ولا يذر.
​نهاية الأسطورة رأس كتبغا تحت الأقدام.
​لأول مرة منذ عهد جنكيز خان، رأى العالم المغول وهم يفرون. سقط كتبغا قتيلاً وتناثرت أشلاء جيشه الذي لا يقهر في وهاد عين جالوت انقشع غبار المعركة في شهر الصيام عن حقيقة واحدة الأمة تمرض لكنها لا تموت وأن رمضان هو دائماً “شهر المعجزات”.

انقشع غبار عين جالوت وسكن صهيل الخيول وبقيت مآذن القاهرة ودمشق تصدح بآذان المغرب في ذلك الرمضان الاستثنائي وكأنها تعلن للعالم أن روح الأمة قد بُعثت من جديد لم تكن المعركة مجرد كسر لهيبة التتار الذين لم يُقهروا قط بل كانت برهاناً أبدياً على أن إرادة الشعوب حين تلتف حول قائدٍ يرمي خوذته ليشتري كرامة وطنه لا يمكن لقوة في الأرض أن تكسرها.
​لقد طوى التاريخ صفحة كتبغا ورفع ذكر قطز وبيبرس في سجلات الخالدين وبينما نعيش نحن اليوم نفحات هذا الشهر الكريم تظل عين جالوت هي البوصلة التي تخبرنا: مهما اشتد الظلام، ومهما ظن الغزاة أن الأمة قد استكانت سيخرج دائماً من قلب الرماد رجل القدر وجيش لا يعرف المستحيل.
​انتهى زلزال الأرض وعاد المماليك بالنصر ولكن يبقى السؤال الذي يتردد صداه عبر القرون هل كان النصر نهاية الحكاية أم بداية لصراع جديد على العرش بدأ في طريق العودة؟ إنها دراما التاريخ التي لا تنتهي، وقصة الأمة التي تمرض ولا تموت.

بقلم :الدكتور حسن قلاد الباحث الأثري ومفتش الآثار بوزارة السياحة والآثار”

قد يعجبك ايضا