سقف التقاعد والعدالة الاجتماعية: مدخل حقيقي لإنقاذ الضمان
المرفأ- بقلم الدكتور قاسم العمرو..
في ضوء ما أُعلن عن موافقة حكومة دولة الدكتور جعفر حسان على الأسباب الموجبة لتعديل قانون الضمان الاجتماعي، يعود النقاش مجدداً إلى جوهر المسألة: كيف نحمي أهم مؤسسة اجتماعية في الدولة دون أن نُحمل فئات محددة كلفة الإصلاح وحدها.
حيث تشير دراسات اكتوارية إلى أن معادلة التقاعد الحالية قد تقود المؤسسة إلى نقطة تعادل بين الإيرادات والنفقات قرابة عام 2030، لتبدأ بعدها مرحلة تتفوق فيها المصروفات على الإيرادات. ويعزو مختصون جزءاً من هذا الخلل إلى التقاعد المبكر ومدد الاشتراك القصيرة نسبياً، لاسيما في حالات خدمة الثلاثين عاماً، ما يسرّع استنزاف السيولة ويضغط على موجودات المؤسسة مستقبلاً.
إن الإقرار بوجود خلل مالي لا يعني بالضرورة أن يكون العلاج أحادي الاتجاه، فالإصلاح المتوازن يقتضي مراجعة شاملة لكل أوجه الخلل، لا الاكتفاء برفع سن التقاعد أو زيادة مدد الاشتراك أو تعديل نسب المنافع على حساب المشتركين الحاليين والقادمين. العدالة تفرض توزيع أعباء الإصلاح بصورة منصفة، لا أن تتحملها الشرائح الوسطى والدنيا وحدها.
وإذا كانت الحكومة جادة في تحقيق موازنة حقيقية بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، فإن أي تعديل ينبغي أن يترافق مع مسارين متوازيين:
أولاً، إعادة النظر في شروط الاستحقاق بما يضمن زيادة عدد الاشتراكات الفعلية وتحفيز الاستمرار في سوق العمل، بما يعزز الإيرادات دون الإضرار بحقوق مكتسبة بشكل تعسفي.
ثانياً، معالجة ملف التقاعدات المرتفعة جداً التي تستنزف سنوياً عشرات الملايين من الدنانير، إذ من غير المقبول أن تستحوذ قلة محدودة على حصة كبيرة من إجمالي النفقات التقاعدية، في وقت يُطلب فيه من بقية المشتركين شد الأحزمة.
إن وضع سقف أعلى للتقاعد، وإخضاع التقاعدات الاستثنائية لمراجعة قانونية عادلة، بات ضرورة وطنية لا خياراً سياسياً. فمؤسسة الضمان الاجتماعي ليست صندوقاً لفئة، بل صمام أمان للمجتمع والدولة. وحمايتها تقتضي من السلطات التشريعية والتنفيذية، وبما ينسجم مع أحكام القضاء وسيادة القانون، صياغة تشريعات تعيد التوازن إلى المنظومة وتمنع أي تشوهات أو امتيازات غير مبررة.
كما أن أي إصلاح حقيقي لقانون الضمان الاجتماعي لا يكتمل ما لم يُكرس مبدأ المساواة الكاملة أمام القانون، دون استثناءات أو امتيازات خاصة؛ فلا يجوز أن تبقى فئة الوزراء خارج القواعد العامة للتقاعد أو تتمتع بأنظمة تفضيلية تختلف عن سائر المؤمن عليهم، فالوظيفة الوزارية تكليف عام وليست مساراً لامتياز تقاعدي استثنائي. وإذا كنا نتحدث عن عدالة في توزيع كلفة الإصلاح، فإن أول اختبار لهذه العدالة هو إخضاع جميع شاغلي المناصب العليا، وفي مقدمتهم الوزراء، لأحكام قانون الضمان ذاته، بذات الشروط والقيود والسقوف، تكريساً لمبدأ تكافؤ الفرص وتعزيزاً لثقة المواطنين بمؤسسات الدولة
الضمان الاجتماعي ليس رقماً في موازنة، بل عقد ثقة بين الدولة والمواطن، وأي إصلاح لا يقوم على العدالة والشفافية والمصارحة لن يصمد طويلاً، مهما كانت مبرراته الفنية. المطلوب اليوم شجاعة في الاعتراف بالخلل، وشجاعة أكبر في توزيع كلفة الإصلاح بعدالة، حمايةً لأهم مؤسسة تضامنية في الوطن، وضماناً لاستدامتها للأجيال القادمة