الدراما المصرية و دورها في بناء الوعي الوطني بقلم الدكتورة مي مصطفى

3٬291

 

المرفأ-تمثل التوجيهات الصادرة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أهمية إنتاج دراما مصرية هادفة وواعية خطوة محورية في مسار استعادة الدور الحقيقي للفن كأحد أهم أدوات التأثير الثقافي والاجتماعي. هذه الرؤية تعكس إدراكًا عميقًا لمكانة الدراما باعتبارها قوة ناعمة تسهم في تشكيل الوعي الجمعي، وتلعب دورًا فاعلًا في دعم الاستقرار وترسيخ منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع المصري.
لطالما احتلت الدراما المصرية موقعًا متقدمًا في المشهد الثقافي العربي، حيث لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل شكلت مرآة صادقة تعكس واقع المجتمع وتناقش قضاياه، وتقدم نماذج إنسانية قادرة على التأثير والإلهام. وقد أسهمت هذه الأعمال عبر عقود طويلة في بناء الوعي، وترسيخ مفاهيم الانتماء، وتعزيز الهوية الوطنية. غير أن المرحلة الراهنة تفرض تحديات جديدة تتطلب تطوير المحتوى الدرامي ليواكب المتغيرات الاجتماعية والفكرية، ويستجيب لاحتياجات الجمهور المتزايدة في ظل الانفتاح الإعلامي والتكنولوجي الواسع.
إن الفن في جوهره ليس كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل هو جزء أصيل من بنيته الثقافية، يعبر عن تطلعاته ويشارك في صياغة مستقبله. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تقديم أعمال درامية ترتكز على الجودة الفكرية والفنية، وتطرح موضوعات واقعية تعكس هموم المواطن وطموحاته، وتسهم في نشر الوعي والمعرفة. كما أن تقديم شخصيات إيجابية ونماذج ملهمة من شأنه أن يعزز ثقة الأجيال الجديدة في قدراتها، ويدعم توجهها نحو العمل والإبداع والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن.
تأتي هذه الرؤية في توقيت بالغ الأهمية، حيث يشهد العالم تغيرات متسارعة تؤثر في منظومة القيم والثقافة، وهو ما يضاعف من مسؤولية صناع الدراما في الحفاظ على الهوية الوطنية، وتقديم محتوى يعكس أصالة المجتمع المصري وتاريخه العريق. فالمحتوى الفني الواعي يمتلك القدرة على مواجهة الأفكار السلبية، ليس من خلال الوعظ المباشر، بل عبر طرح قضايا واقعية ومعالجتها بأسلوب فني راقٍ يجمع بين الإبداع والرسالة.
كما أن تطوير صناعة الدراما يتطلب تكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات المعنية، سواء الإنتاجية أو الثقافية أو التعليمية، بما يسهم في توفير بيئة داعمة للإبداع، وتشجيع تقديم أعمال متميزة قادرة على المنافسة محليًا وإقليميًا. فالاستثمار في الفن هو في جوهره استثمار في الإنسان، لأنه يسهم في بناء وعيه، وتوسيع مداركه، وتعزيز إحساسه بالانتماء والمسؤولية تجاه وطنه.
وتحمل المرحلة المقبلة فرصًا كبيرة لاستعادة الريادة المصرية في هذا المجال، خاصة في ظل وجود كوادر فنية تمتلك خبرات طويلة وإمكانات إبداعية متميزة. إن توجيه هذه الطاقات نحو إنتاج أعمال تعبر عن الواقع المصري بصدق، وتطرح رؤى بناءة للمستقبل، من شأنه أن يعيد للدراما المصرية مكانتها الطبيعية كقوة ثقافية مؤثرة في محيطها العربي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إدراك أن الفن ليس مجرد صناعة ترفيهية، بل هو رسالة حضارية تسهم في تشكيل الوعي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم مسيرة التنمية. وعندما يرتبط الإبداع الفني بقضايا المجتمع، فإنه يتحول إلى أداة فعالة في بناء الإنسان، وترسيخ قيم العمل والانتماء، والمساهمة في تحقيق التقدم والاستقرار.
إن مستقبل الدراما المصرية يرتبط بمدى قدرتها على التفاعل مع واقع المجتمع، وتقديم محتوى يجمع بين العمق الفكري والتميز الفني، بما يعكس مكانة مصر الثقافية والتاريخية. ومن خلال هذه الرؤية، يمكن للفن أن يستعيد دوره كمنارة للتنوير، وجسر للتواصل الثقافي، وأحد أهم ركائز بناء الوعي في المجتمع المصري والعربي.

أستاذ الإعلام السياسي

قد يعجبك ايضا