ما أحوجنا لحِداءٍ يجمعنا هل تهتدي الإبلُ طريقَها ؟ كتبت : منى توفيق عثامنه
المرفأ- كتب الله على الإنسان التعبَ والكدّ والصبر ، ثمَّ الفرج، رحلةَ حياةٍ موقوتةٍ منظمة ، بقوانين عادلة تنتهي بالفناء الذي يؤدي الى جزاء الصابرين جنّاتٍ عرضها السموات والأرض أُعدّت للمتقين ، وحساب عسير لمن غفل واستكبر .
ولكنَّ القلقَ والتخوّف والأرق والتنافس والتباهي والجحود والظلم ، والاستغلال والطمع والأنانية واللهو والتفكّك الأُسري فالمجتمعيّ ،وكسر درجات السلالم الآمنة ، والعراقيل السياسية الخارجية والداخلية ، واستغلالية السلطة ،كل ذلك وأكثر أدّى إلى ضعف السِلم المجتمعي والأمان الذاتيّ والعام .
وذلك بتقديرات نهج السياسات وتقييم أحوال المجتمعات عامةً وخاصةً العربيّة منها فما عاد للرضا مكان ولا للقناعةِ أثر .
فبات فقيرُ القيمِ يهاجمُ القيمَ ويحاربُها ، ويقف المصلحون على أطلال المُثُلِ حائرين ، ثم تأتي الصحفُ تُسَلّط الأضواءَ على المخرّبين ومصائبهم وجرائمهم ، حتى بدت الصورةُ العامّةُ للإنسانيةِ جمعاء بشعةً وسخة ، والانطباعُ سيادة الشرور ، وتفرد الوسائل المختلفة نقاشاتٍ وعناوين عريضةً للمُحَلِّلين والذين يغلبُ عليهم تبرير الخطايا بدوافعها !
لم يعد لعزة النفس مكان في النفوس ، وضاقت مساحات التربية في البيوت ، وبات المُعلّم متهماً إذا أدّى دوره التربوي !!!
آن الأوان أن نستحي اذا نظمنا القصائد ونستحي اذا نظمنا مؤتمرات ٍونستحي إذا خرجنا بتوصيات ، ونستحي من تراكم الكذبات ، ونستحي اذا هتفنا بقدرات الشباب الموءودة المصفّدة بالبطالةِ وقلّةِ الحيلةِ فضاقت ذاتُ اليد ، وحقوق كثير من النساء المُغَلّفة بالتمكين السياسيّ ، وانتشار الطبخ والنفخ وكأنّ المطابخَ باتت دوراً للعلوم ومختبراتٍ للتفاصيل الدقيقة فباتت أكبرُ دعائمنا بازارات استعراضية في غالبها لا تحقِّق للنساء هدفها المنشود !
ألا نستحي وقد بعنا أرضَنا الخصبة ، فتخلخل الأمن الغذائي الا نستحي وقد باتت أكبر مشاريعنا مطاعم ومقاهي ومزارع للهو وتضييع الوقت ، الا نستحي والطبل والدف والمزمار وبقية المعازف ، تهيمن على مساحة الثقافة العربية ، وباتت الثقافة مجرد ندوات قصيرة في غرف ضيّقة تتغنّى بالماضي ولا تبذر للغد نهجاً !!!
لقد بات لسان حالنا يتيماً يحضن يتيماً ، ويائساً يهون عليه يأسُه حين يرى بؤسَ غيره .
لقد وصلنا إلى مرحلةٍ من الخذلان ، نرى الباطل والظلم يصارعان حقوقَ الناس باستعلاء وضلالة ، ثمّ نصغي للمبرّرات ونناقشها ونصفق لناقدٍ جريء يسكِّنُ الألمَ ولا يداويه .
إنّ هذه العجلة التي تدور مسرعةً هوجاء لا تحتفظ بذمّةٍ ولا تصون أمانةً ، فنرى أهلَ المسألة يظهرون متنسّكين بحب المجتمع والوطن ، وفي الباطن تهتّكت الحقوق وقُتِلَت الآمال ، وظهرت وجوهٌ وأصواتٌ تمتهن التأثير تنذر بالشؤم ، والرياء تُبَرّئ النفاق ، تتسلّق السلالم نحو السماء بغباء .
لا يشبعون من ابتلاع الهواء ، حتى باتت أمعاؤهم منتفخةً وبطونهم ملأى دون شبع ولا ارتواء !!!
وفي اتجاه آخر باتت الشكوى من فساد كبير تُحذّر الناسَ من خطر المخدّرات والفسق والضياع ، فتصدّى الشيطان وانفرد بكثيرٍ من الأخيار حتى باتوا طائعين هرباً من واقع ، ليس من الصعب تحقيق الأمان فيه .
فالهداية إلى سواء السبيل تبدأ من البيت مروراً بالمدرسة فالجامعة، والمساجد والإعلام والردع بالقانون والتعاون العاجل مابين المجتمع المدنيّ والجهات الأمنية والمختصة ، آن الأوان أن يعي الشباب أن تضييع الوقت في المقاهي لا يريح البال ولا متعة فيه ولا فائدة منه إاذا لم تكن جلساتٌ الحديثُ بها غنيّ وقولٌ معروف ، بعيداًعن اللهو بالكلام الفارغ والسهر المتعب الطويل .
لقد جارت علينا الأخطاء والوسائل والأساليب ، فهل تهتدي الإبلُ طريقَها أم تهدي راكبَها سواء السبيل ؟
وما أحوجنا لحِداءٍ يجمعنا ، فنهتدي الى حلٍّ جماعيّ عمليّ يُخرجنا من غيبوبة التقصير ، إلى يقظةِ الحلول العمليّة ، دون هراء ولا هرطقة .
إنّنا في الأُردن ننغلب في كثير من أُمورنا ، ولا نستذلّ أو نقنط ، عملتُنا واحدة محالٌ تزييفها ، وتمسكنا بقيم انتماءنا مُثلى ،الحق والواجب كلنا أمام الله والقانون سواء كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته ، فحين يعي المسؤول أنَّ في ذمته حقوقَ الناس فيؤدّيها ستخفت أصواتُ الشكوى وتدوم النعم بصون الحق وأداء الواجب .
أمّا صمّام الأمان والصون فبذرته العائلة والأُسرة وحقله بقيّة المؤسسات والمجتمع والشوارع والأسواق ، جذره أمرٌ بمعروف ونهي عن منكر ليثمر قيماً ثابتة وأخلاقاً سامية .