بؤر التوتر من الشرق إلى الغرب في 2026

5٬455

 

بقلم الدكتور احمد. صفوت السنباطي

المرفأ- يمتد التوتر من الشرق إلى الغرب في عام 2026 بشريط متصل من اللهيب، حيث تترصص بؤر التوتر كحبات متفجرة في عقد واحد، يربط بينها خيط رفيع من المصالح المتصادمة والصراع على الموارد الشحيحة لم يعد الصراع مقتصراً على منطقة دون أخرى، بل تحول إلى ظاهرة عالمية متشابكة، تنطلق شرارتها من نقطة لتشعل حرائق في أخرى، إنه مشهد معقد تختلط فيه الأزمات القديمة المزمنة، كالصراع العربي الإسرائيلي الذي يدخل عقده الثامن بأشكال جديدة أكثر تعقيداً، مع أزمات حديثة العهد لكنها أعمق جرحاً، مثل الحرب المستمرة في أوروبا الشرقية التي أعادت رسم خطوط التقسيم القارية، وصراع القوى العظمى في المحيط الهادئ الذي يجعل من كل جزيرة ساحة محتملة للمواجهة العالم لم يعد ينقسم إلى معسكرين واضحين، بل تحول إلى فسيفساء من النزاعات المحلية التي تغذيها وتستغلها القوى الخارجية لتصفية حساباتها، مما يجعل أي أمل في حلول سلمية شبه مستحيل.

في قلب هذه البؤر الملتهبة، نجد قاسمًا مشتركًا يتمثل في تراجع فاعلية المؤسسات الدولية التي كانت تضبط إيقاع النظام العالمي لقد شاخت أدوات الأمم المتحدة وأصبحت عاجزة عن فرض وقف لإطلاق النار، ناهيك عن تحقيق سلام عادل وتحولت القرارات في مجلس الأمن إلى مجرد بيانات للاستهلاك الإعلامي، بينما تُصنع القرارات الحقيقية في العواصم الكبرى وفي غرف الحرب السرية هذا الفراغ القيادي العالمي فتح الباب على مصراعيه لصعود لاعبين إقليميين أقوياء، يملؤون الفراغ بقوتهم العسكرية والمخابراتية، ويديرون صراعات بالوكالة لتعظيم نفوذهم ففي الشرق الأوسط، تحولت الصراعات إلى معادلة متعددة الأطراف، حيث تتقاطع مصالح إيران وتركيا وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات، فيما يشبه حرباً باردة إقليمية بخطوط متحركة وفي المحيط الهادئ، تتقدم الصين بثبات لملء الفراغ الذي قد تتركه الولايات المتحدة، مطلقة سلسلة من ردود الفعل من دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، التي تعزز من قدراتها العسكرية بقلق واضح.

ولكن الخيط الأكثر خطورة الذي يربط هذه البؤر من الشرق إلى الغرب هو صراع الإرادات والتكنولوجيا فالنزاعات اليوم لم تعد تُخاض بالدبابات والطائرات فقط، بل وبالأقمار الصناعية والهاكرز والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي. أصبحت ساحة المعركة افتراضية بقدر ما هي مادية، مما يجعل الصراع مستمراً على مدار الساعة وبلا حدود جغرافية واضحة الأزمة الأوكرانية أثبتت كيف يمكن لحرب في أوروبا أن تؤثر على أمن الغذاء في أفريقيا، وأن تسبب أزمة طاقة في آسيا والتوتر في مضيق تايوان يهدد بتعطيل سلاسل الإمداد الإلكترونية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي بأسره لقد تحولت بؤر التوتر من مشاكل إقليمية إلى تهديدات منهجية للنظام الدولي الهش أصلاً إنها سلسلة من الأزمات المترابطة، حيث لا يمكنك إطفاء حريق في مكان دون أن يشتعل آخر، في اختبار حقيقي لمرونة العالم وصلابة مؤسساته.

المستقبل الذي يرسمه عام 2026 ليس مشرقاً، إنه يحمل انذراً باستمرار حالة “اللا حرب واللا سلم”، حيث تتفجر الاشتباكات ثم تهدأ، في دورات لا تنتهي من التصعيد المحدود الذي يمنع الانهيار الكامل ولكن يقتل أي أمل في الاستقرار الدائم إنها حالة من القلق المزمن الذي يصبح هو الوضع الطبيعي الجديد يعيش العالم على حافة الهادي، حيث تهدأ الأزمة في مكان لتشتعل في آخر، في رقصة دائمة من التوتر الذي يستهلك الموارد ويستنزف الطاقات ويقتل الأحلام من أوكرانيا إلى فلسطين، ومن بحر الصين الجنوبي إلى القرن الأفريقي، تنتقل جبهات التوتر كالنار في الهشيم، تاركةً وراءها دولاً محطمة وشعوباً منهكة ونظاماً عالمياً على شفا الانهيار، في مشهد يثبت أن السلام أصبح سلعة نادرة في سوق يهيمن عليه تجار الحروب والخوف

قد يعجبك ايضا