نقاء القلوب.. قبل طول العلاقات… قيمة الأخلاق في زمن التغيرات

3٬434

 

المرفأ- بقلم الدكتورة مروة بيومي

قال أرسطو “الصداقة الحقة لا تقوم على المنفعة ولا على اللذة، بل على الفضيلة.”
هذه المقولة الفلسفية، التي صمدت أمام مرور القرون، لا تزال ترسم لنا معيارًا واضحًا لفهم العلاقات الإنسانية. فهي تؤكد أن قيمة أي علاقة لا تُقاس بطولها، ولا بعدد اللقاءات، ولا بمدى كثافة التواصل، بل بصدق التعامل ونقاء القلوب والأخلاق التي تحكمها. في عالم سريع التغير، حيث تتقلب المشاعر وتتبدل القلوب، قد يظن البعض أن طول العلاقة مؤشر على نجاحها، لكن الحقيقة أن دوام العلاقة لا يعني بالضرورة دوام الاحترام أو دوام أثرها الطيب في النفوس.
القلوب بطبيعتها متقلّبة. تشرق أحيانًا، وتغيم أحيانًا أخرى، وتميل أحيانًا وتبتعد أحيانًا أخرى. وما يعنينا حقًا ليس أن تظل المشاعر ثابتة، فالثبات غالبًا قدر لا يملكه الإنسان، بل أن تظل الأخلاق والإنصاف حاضرين رغم التبدلات. أن يبقى المعروف معروفًا، والجميل جميلًا، وألا يتحول إلى وسيلة ضغط أو وثيقة اتهام، وألا تصبح الأسرار التي وُضعت في أمانة أدوات ابتزاز عند أول خصومة. فهكذا، تبقى العلاقات نقية حتى وإن لم تطل، وتظل ذكرى الإنسان فيها طيبة حتى لو افترق الأطراف.
في الحياة الواقعية، تُختبر العلاقات باستمرار، أحيانًا بسبب غضب لحظي، وأحيانًا بسبب سوء تفاهم، وأحيانًا بسبب تغير الأولويات أو الضغوط الخارجية. وفي هذه الاختبارات، تظهر قيمة الحفاظ على المبادئ والخلق الرفيع. فالعلاقة التي تنهار بسلام، وتترك أثرًا طيبًا، أفضل بكثير من علاقة استمرت طويلاً لكنها ملأتها المواقف المؤذية والخلافات الجارحة. الإنسان الذي يغادر حياة الآخر دون أن يترك ندوبًا في القلب، يترك أثرًا حقيقيًا ويثبت نقاءه.
ليست المشكلة في انتهاء العلاقة، بل في الطريقة التي تنتهي بها. فكم من علاقة طويلة انتهت بخيبة وخسارة احترام، وكم من علاقة قصيرة لكنها تركت أثرًا طيبًا لا يُنسى، ذكرى يحتفى بها، لا جرحًا يظل عالقًا في الذهن والقلب. الإنسان الذي يغادر العلاقات مطمئن القلب، نظيفًا في كلامه وأفعاله، قد لا يترك وراءه مشاعر غرامية، لكنه يترك أثرًا من الاحترام والقيم.
دوام المحبة أمر نادر وثمين، لكنه ليس المعيار الأوحد. الاختبار الحقيقي لأي علاقة يكمن في دوام الأخلاق، خصوصًا حين تتبدل المشاعر أو تتوقف. أن يبقى الستر قائمًا وإن انكشف الغطاء، وأن يبقى العدل حاضرًا رغم القسوة، وأن يبقى الإنسان كريمًا حتى في لحظة الانسحاب، هو ما يصنع الفرق. الإنسان الذي يحافظ على هذه القيم يترك خلفه أثرًا إيجابيًا ويجعل رحيله تجربة تعلم واحترام، لا ألم وندوب.
أجمل ما في العلاقات ليس طولها، بل نقاؤها. أن تبدأ بصدق، وتُعاش بوعي، وتنتهي — إن انتهت — بإحسان. أن يظل الإنسان محافظًا على احترامه لنفسه وللآخرين، وأن يغادر دون أن يحمل ضغينة أو كلمة جارحة، هو ما يجعل العلاقة تستحق الذكرى الطيبة، حتى وإن انتهت. العلاقات التي تُترك بهذه الطريقة، حتى لو قصرت، تبقى نعمة، وتصبح ذكرى يبتسم لها القلب عند مرور السنوات، بدلًا من أن تصبح عبئًا يثقل الضمير أو يجرح الذاكرة.
في نهاية المطاف، قد لا نملك دوام المشاعر، وقد لا نملك طول العلاقات، لكننا نملك دائمًا طريقة التعامل معها. الإنسان لا يُقاس بعدد من بقوا حوله، بل بكيفية رحيله من حياة الآخرين: هل ترك أثرًا طيبًا، أم جرحًا عميقًا؟ هل كان حضوره كريمًا ورفيعًا، أم مثقلاً بالكلمات المؤذية والسلوكيات الخاطئة؟ في زمن تتقلب فيه القلوب وتتبدل فيه الظروف، تبقى الأخلاق هي المعيار الحقيقي، والنقاء هو ما يجعل الحياة الإنسانية جديرة بالعيش، وما يجعل ذكرياتنا مع الآخرين مصدرًا للطمأنينة والسعادة بدلًا من الألم والمرارة.
من هنا، يظهر جليًا أن قيمة أي علاقة حقيقية لا تُقاس بطولها، بل بنقائها وصدقها وكرم تعامل الأطراف فيها. فليكن حضورنا في حياة الآخرين بركة، وليكن رحيلنا منهم صفاءً ونقاءً، فكل علاقة مهما قصرت، تستحق أن تُترك خلفها ذكرى طيبة، لا يخجل منها القلب ولا العقل، بل تظل نورًا في الذكريات، دليلًا على أن الإنسان قادر على الرحمة، والكرم، والنقاء، حتى في زمن التغيرات السريعة.

قد يعجبك ايضا