فرنسا تسحب ذهبها من نيويورك وتعيد تموضع احتياطاتها.. خطوة تثير تساؤلات حول مستقبل النظام المالي العالمي

7٬532

 

المرفأ- في خطوة وُصفت بأنها تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد إعادة تنظيم للاحتياطيات، أثارت فرنسا جدلاً واسعًا في الأسواق العالمية بعد إعلانها سحب جزء من احتياطياتها الذهبية من خزائن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك.

ويأتي هذا القرار في وقت يشهد اضطرابات اقتصادية عالمية وتصاعدًا في التوترات الجيوسياسية، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان العالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين الثقة في النظام المالي الدولي.

وبحسب بيان رسمي صادر عن بنك فرنسا، فقد تم نقل نحو 129 طنًا من الذهب، أي ما يعادل قرابة 5% من إجمالي الاحتياطي الفرنسي، ضمن عملية تحديث شاملة بدأت في يوليو 2025 وانتهت في يناير 2026.

وقال الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل فرج إن اللافت في العملية لم يكن مجرد النقل المادي للذهب، بل شمل أيضًا إعادة هيكلة نوعية، تضمنت بيع جزء من الذهب المخزن في الولايات المتحدة واستبداله بسبائك حديثة مطابقة للمعايير الدولية داخل السوق الأوروبية.

خلفية تاريخية

وأوضح فرج أن تخزين الذهب الفرنسي في نيويورك يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين أصبحت الولايات المتحدة مركز الثقل المالي العالمي، ثم تعزز ذلك خلال حقبة نظام “بريتون وودز” الذي ربط الدولار بالذهب، ما جعل الاحتفاظ بالاحتياطي في أمريكا خيارًا استراتيجيًا آنذاك.

لكن مع انهيار هذا النظام في سبعينيات القرن الماضي، بدأت فرنسا تدريجيًا في إعادة جزء من ذهبها إلى الداخل، في إشارة إلى سعيها لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز استقلالها المالي.

رسائل سياسية واقتصادية غير مباشرة

ورغم تأكيد حاكم بنك فرنسا، فرانسوا فيليروي دو غالو، أن القرار “لا يحمل دوافع سياسية”، إلا أن تحليلات اقتصادية تشير إلى أبعاد أعمق، أبرزها تعزيز السيادة المالية وتقليل المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالأصول في الخارج، سواء في حالات العقوبات أو الأزمات المالية أو تقلبات السيولة العالمية.

وفي السياق ذاته، تأتي هذه الخطوة ضمن اتجاه عالمي متزايد نحو “إعادة توطين الذهب”، في ظل تراجع نسبي في الثقة المطلقة بالنظام المالي القائم على الدولار.

مكاسب مالية لافتة

وأشار الخبير إلى أن العملية لم تكن بلا مكاسب، إذ استفاد بنك فرنسا من ارتفاع أسعار الذهب، محققًا أرباحًا رأسمالية تُقدّر بنحو 13 مليار يورو، ما ساهم في تحويل خسائر عام 2024 البالغة 7.7 مليار يورو إلى أرباح صافية وصلت إلى 8.1 مليار يورو في 2025.

إلى أين يتجه المشهد؟

ورغم ثبات إجمالي احتياطيات فرنسا عند نحو 2437 طنًا من الذهب، فإن نقلها وتحديث جزء كبير منها يعكس توجهًا استراتيجيًا طويل الأمد، خصوصًا مع استمرار تطوير نحو 134 طنًا حتى عام 2028.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد لا تكون مجرد إجراء فني، بل جزء من تحولات أوسع في النظام المالي العالمي، قد تعيد رسم مراكز الثقة والقوة الاقتصادية، وتمنح الذهب دورًا متجددًا في معادلة الاستقرار الدولي.

قد يعجبك ايضا