شرعنة الدعارة.. معركة الهوية والأخلاق المصرية بقلم :امل ابو زيدة
في مشهد يثير الدهشة والاستغراب، خرجت خلال الأيام الماضية دعوات تطالب بإعادة تقنين بيوت الدعارة في مصر، وكأن المجتمع المصري الذي قدّم عبر تاريخه نموذجًا للتمسك بالقيم والأخلاق بات مطالبًا اليوم بأن يمنح الرذيلة ختمًا رسميًا وغطاءً قانونيًا.
إن أخطر ما في هذه الدعوات ليس الفكرة ذاتها فحسب، بل محاولة تقديمها للرأي العام باعتبارها حلًا حضاريًا أو طرحًا عصريًا، بينما حقيقتها أنها دعوة صريحة إلى تطبيع الفسوق والفجور وتحويل ما يرفضه الضمير الديني والأخلاقي إلى نشاط مقنن ومعترف به.
فهل عجزنا عن مواجهة المشكلات الاجتماعية حتى أصبح الحل المقترح هو شرعنة الانحراف؟ وهل أصبح المطلوب من الدولة أن تفتح أبوابًا جديدة لتفكيك منظومة القيم بدلًا من دعم الأسرة وحماية الشباب وترسيخ الأخلاق؟
إن الأمم لا تنهار فجأة، بل يبدأ الانحدار عندما تختلط المفاهيم وتتبدل المعايير، وعندما يتحول الحرام إلى “وجهة نظر”، والرذيلة إلى “حرية شخصية”، والفساد الأخلاقي إلى “حق مكتسب”. عندها يفقد المجتمع بوصلته، وتبدأ القيم التي حافظت عليه لعقود طويلة في التآكل تدريجيًا.
إن مصر لم تكن يومًا دولة تُبنى على ثقافة المتعة الرخيصة أو التجارة في الأجساد، بل كانت دائمًا مجتمعًا يرى في الأسرة حجر الأساس للاستقرار، وفي الأخلاق العامة خط الدفاع الأول عن أمنه الاجتماعي. ولذلك فإن أي دعوة تمنح الدعارة شرعية قانونية لا تمثل مجرد رأي مختلف، بل تمثل تحديًا مباشرًا لمنظومة القيم التي يؤمن بها ملايين المصريين.
وإذا كان البعض يبرر هذه الدعوات بأنها وسيلة للسيطرة على الظواهر السلبية، فإن التاريخ يؤكد أن تقنين الخطأ لا يحوله إلى صواب، وأن منح الانحراف صفة قانونية لا يجعله أقل ضررًا على المجتمع. فالقانون وُجد لحماية المجتمع من الأخطار، لا لتحويلها إلى مؤسسات معترف بها.
إن المعركة الحقيقية ليست بين التقدم والتخلف كما يحاول البعض تصويرها، بل بين مجتمع يحافظ على هويته الأخلاقية ومجتمع تُنتزع منه ثوابته قطعةً بعد أخرى تحت شعارات براقة تخفي وراءها واقعًا أكثر قتامة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كان تقنين بيوت الدعارة هو الحل، فما هي المشكلة إذن؟ وما الذي تبقى من الحدود الفاصلة بين الفضيلة والرذيلة؟
إن الشعوب التي تحترم نفسها لا تبحث عن طرق لتقنين الفجور، بل تبحث عن وسائل لحماية الإنسان والأسرة والقيم. أما تحويل الرذيلة إلى نشاط مشروع، فليس انتصارًا للحرية كما يزعم البعض، بل هزيمة أخلاقية يدفع المجتمع كله ثمنها……