الهجرة النبوية تأسيس للدولة العلية وبناء للحضارة الاسلامية…بقلم دكتورة سحر النجار

3٬340

المرفأ نيوز- لم تكن الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مجرد حدث تاريخي عابر، أو رحلة عادية هربًا من بطش قريش، بل كانت تحولًا عميقًا صاغ وجدان الأمة، وبنى الإنسان، وزكّى روحه باليقين والتضحية، كذلك لم تكنْ الهجرة مجرد رِحلةً لِطلبِ الأَمان، بل كانتْ إيذاناً بِتغييرِ الزَّمان، وإرساءِ قَواعدِ الإيمان؛ ليكون مؤهلاً لحمل أمانة الرسالة ويؤسس للدولة العلية والحضارة الإسلامية.

إنَّ من يـتأمل الهجرةَ النَّبوية يجدها رِحلةٌ بَدأتْ بالفِداءِ والتَّضحية، وانتهتْ بالنَّصرِ والتَّزكية.

قدمت الهجرة نماذج فريدة في التربية على التضحية ونصرة الدين؛ ففيها نامَ عَليٌّ في الفِراش، ولم يَخشَ عاقبةَ الارتِعاش، واضعًا روحه على كفه ليوهم قريشًا أن النبي ما زال في بيته. وفيها صَعدتْ أَسماءُ الجِبال، بِعزمٍ يَفوقُ الرِّجال، وهي حاملٌ لتوصيل الطعام والشراب، وتحملت أذى الجهول أبي جهل دون أن تبوح بالسر. فيا لَها من رِحلةٍ رفع اللهُ بِها الدِّين، وأَعزَّ بِها جُندَ المُسلمين، وجَعلَ عاقبتَها للمُتَّقين!

إن الإيمان الحي يدفع صاحبه للتضحية بأغلى ما يملك، وتلك هي التربية النبوية التي أخرجت جيلًا يحمل همّ العقيدة، ويتحمل المسؤولية الجسيمة في أحلك الظروف.

وقد تجلت فيها أعلى مراتب الإيمان والتوكل على الله، مع الأخذ بالأسباب المادية بدقة بالغة، ولقد خلّد القرآن الكريم تفاصيل هذا الحدث العظيم في آية تتلى إلى يوم القيامة، تلخص معاني التمكين واليقين والمعية الإلهية؛ إذ يقول سبحانه وتعالى في سورة التوبة: ” إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.

إنها آية تقرر حقيقة خالدة، أن نصر الله لرسوله ولدينه متحقق لا محالة، فقد يمّم النبي وصاحبه صَوْبَ الغَار، يَحوطُهما حِفظُ المَلِكِ الغَفَّار، فَعَمِيتْ عَنْهُم بَصَائرُ الكُفَّار، ووقفَ الطغاةُ على الأعْتاب، وبأيدِيهم السُّيوفُ والأسباب، فحالَ بينَهم وبين النورِ حِجاب، فقالَ الصِّدِّيقُ بدمْعٍ مَسكوب: ” لو نَظروا لأبْصروا المَطلوب” ، فقالَ المُصطفى بقلبٍ مَجذوب: “يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا” صحيح البخاري.

وفي طريق الهجرة، يطاردهم سراقة بن مالك طمعًا في جائزة قريش، فتغوص قوائم فرسه في الأرض، ليعلم أن النبي محميّ بوعود السماء، فيقول له النبي موقنًا بنصر دينه: “كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟” . وهنا تكمن العبرة: أن الأخذ بالأسباب واجب، ولكن الاعتماد الحقيقي يجب أن يكون على مسبّب الأسباب سبحانه، وأن الثقة بنصر الله لا تتزعزع حتى في أشد الأوقات حرجًا؛ فتنزل السكينة، وتتحرك جنود الله الخفية لحماية أوليائه.

ويصل الحبيب إلى طيبة الطيبة التي استضاءت بنور المصطفى، واهتزت أركانها فرحا وبهجة، وكان استقبال الأنصار له صلى الله عليه و سلم عهدًا جديدًا أشرق على الكون بالهداية، طلع البدر علينا من ثنيات الوداع. ولم يكن استقبال الأنصار مجرد كلمات بل كان نبض قلوب تآلفت وتعاهدت على النصرة لحماية الرسالة والذود عن نبي الهدى لتضع اللبنة الأولى لأعظم دولة في تاريخ البشرية، وظهرت قيَم الأخوة الإيمانيةكتطبيق عملي حين آخى النبي – صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار الذين ضربوا أروع الأمثلة في الإيثار، فتجد سعد بن الربيع الأنصاري يقول لعبد الرحمن بن عوف أحد المهاجرين: “أقاسمك مالي نصفين”. فرد عليه عبد الرحمن بعزة نفس وتعفف وإيمان: “بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق” صحيح البخاري. فيالا جود الأنصار!، ويا لاعفة المهاجرين!.

وكان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم بناء المسجد النبوي، ولم يكن مجرد جدران، بل كان منبرا للتربية الشاملة؛ شارك النبي بنفسه في حمل الحجارة لبنائه، وكان يرتجز مع الصحابة قائلًا: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره» البخاري ومسلم. ولقد ربط المسجد المجتمع بالصلاة والذكر؛ لتظل الروح متصلة بخالقها وسط صخب بناء الدولة، وذوّب الفوارق الطبقية والقبلية؛ فجعل الجميع يقفون في صف واحد القرشي بجوار الحبشي، ليتعلموا عَمَلِيًّا قوله تعالى “أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.

وأخيرا وليس آخرا أقول: إن الهجرة النبوية في عمقها هي مدرسة إيمانية لتربية القلوب، وصقل النفوس على الصبر، والتضحية، واليقين، وبدونها ما كان للدولة الإسلامية أن تقوم، ولم يكن لحضارتها أن تسود؛ فبناء الساجد سَبَقَ بناء المساجد، وبناء الإنسان كان الأساس الراسخ لبناء الأوطان، وكما أكدت آية الهجرة: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}، فالعاقبة دائمًا للحق وأهله المستمسكين به.

وختامًا أرفع أكف الضراعة والرجاء، أسأل الله عز وجل من مشكاة هذه المدرسة النبوية:” اللهم يا مَن نصرتَ نبيَّك بالهجرة، وأعززتَ جندَك بالصَّبرِ والنُّصرة، وجعلتَ العاقبةَ لأهلِ الإيمانِ واليَقظة؛ نسألكَ اللهمَّ صلاح أحوالَنا، وأنْ تُبلّغَنا في طاعتِكَ آمالَنا.

اللهمَّ كمَا أمَّنتَ نبيَّكَ وصاحبَهُ في الغَار، فأنزلْ سكينتَكَ على قلوبِنا في زمنِ الفتنِ والابتلاءِ والاختبار، اللهمَّ ارفعْ عن أمّتِنا الغُمَّة، واجمعْ كلمتَها على الحقِّ والرحمة، وبدّلْ عُسرَها يُسراً، وضَعفَها عِزّاً وقُدرة.

اللهمَّ إنّا نسألكَ هجرةً نابعةً من وجدانِنا، نَهجرُ بها الذنوبَ والآثام، ونَستمسكُ بها بشرائعِ الإسلام. اللهمَّ قو ظهورنا وهب لنا من القوة والسداد ما نُواجهُ بهِ الصّعابَ والأزمات، وارزقنا الثبات والرشاد.

اللهمَّ يا مَن جعلتَ كلمةَ الذين كفروا السُّفلى، وكلمتَكَ هي العُليا؛ أَعْلِ في واقعِنا رايةَ الحقِّ والعدلِ والإحسان، وادفعْ عن بلادِنا وبلادِ المسلمينَ شرَّ الفتنِ والخذلان، اللهمَّ ربِّ أجيالَنا على التضحيةِ والفِداء، واليقينِ والوفاء، واجعلنا سَندًا لدينِك، بُناةً لأوطانِنا، هُداةً مُهتدين، غيرَ خزايا ولا مَفتونين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد في الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.

 

عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الشريف

قد يعجبك ايضا