السعود إلى نشامى المنتخب: قاتلوا بروح الأردن واسحبوا من أعماقكم أقصى طاقاتكم
كتب. د. حسن السعود
يمكن القول والتأكيد إن المشاركة في مباريات كأس العالم ليست حدثًا عاديًا ولا مناسبة عابرة اعتدنا عليها من قبل، بل هي محطة استثنائية في مسيرة أي لاعب وأي منتخب. ولذلك فإن المشاركة في هذا المحفل العالمي الكبير تتطلب وعيًا وإدراكًا وامتلاك مجموعة من الخصائص والمهارات النفسية والعقلية التي تمهّد الطريق أمام اللاعب للوصول إلى المستوى المطلوب من الأداء والإنجاز.
ومن هنا أخذ الاهتمام يتزايد بالطرق التطبيقية لعلم النفس الرياضي، باعتباره تخصصًا حيويًا يدرس كيفية تأثير العوامل العقلية والنفسية في الأداء البدني والمهاري والخططي للرياضيين. ويهدف هذا العلم إلى تعزيز قدرات الرياضيين والمدربين من خلال تطوير التركيز، والتحكم في التوتر، وإدارة الضغوط النفسية، وبناء الدافعية والثقة بالنفس، وصولًا إلى تحقيق أعلى درجات التفوق والإنجاز.
فكل ما تفكر به هو الذي سينفذه جسمك؛ لأن مصدر القرار الحقيقي هو الدماغ، وليس العضلات بصورة أساسية. لذلك لا بد أن تُعِدَّ هذا المركز الحيوي إعدادًا جيدًا، ليتمكن من إصدار القرارات الملائمة في الوقت المناسب، وألا يتأثر بالمثيرات السلبية العديدة الموجودة في بيئة الرياضة التنافسية.
ومن هذا المنطلق، أحببت في هذه المقالة العلمية أن أوجّه رسالة إلى نشامى المنتخب الوطني، متناولًا أبرز هذه القواعد والجوانب التطبيقية في علم النفس الرياضي، والتي أرى أنها قد تسهم في تعزيز الأداء وتحقيق الطموحات الوطنية المنشودة.
أولًا: القدرة على السحب من الأعماق
وفي هذه القاعدة تحديدًا، وفي هذا المقام، لا أجد أجمل وأرقى من كلمات سيدي صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم عندما قال: «قاتلوا في الملعب بروح النشامى التي عهدناها بكم».
إنها كلمات تختصر معاني الانتماء والعزيمة والمسؤولية، كما تختصر حجم الثقة التي يضعها الأردنيون بكم وأنتم تمثلون وطنكم في أكبر محفل كروي عالمي. فاجعلوا هذه الكلمات الملكية السامية لقائد الوطن بمثابة الباعث الحقيقي الذي يدفعكم إلى السحب من أعماقكم أقصى الطاقات الكامنة لقدراتكم البدنية والفنية والخططية والنفسية، واستحضار أفضل ما لديكم في اللحظات التي تحتاج إلى الثبات والإصرار والتحدي.
ثانيًا: القدرة على التوجيه الذاتي والانضباط الذاتي والتحفيز الذاتي
إن التدريب الجاد، والاستعداد المتقن، والتوجيه الذاتي، والانضباط الذاتي، والتحفيز الذاتي، تشكل جميعها طريقكم نحو تحقيق الإنجاز والوصول إلى الهدف المنشود بإذن الله.
فاللاعب الذي يمتلك القدرة على إدارة ذاته، والمحافظة على التزامه وتركيزه، يكون أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات والضغوط التي تفرضها البطولات الكبرى، وأكثر قدرة على الثبات في المواقف الحاسمة.
ثالثًا: العزيمة والإصرار
قوموا بعمل كل ما يمكن عمله داخل الملعب، وفي إطار قواعد اللعب الصحيح والمنافسة الشريفة، من أجل تحقيق الهدف المنشود.
فالعزيمة والإصرار ليسا مجرد شعارات تُرفع، بل هما سلوك عملي يظهر في كل كرة مشتركة، وكل جهد إضافي، وكل لحظة تتطلب الصبر والثبات وعدم الاستسلام. وكثيرًا ما تكون البطولات الكبرى من نصيب الفرق التي تملك الإرادة الأقوى قبل أن تملك الإمكانات الأكبر.
رابعًا: الضغط النفسي
لا شك أن المشاركة في بطولة بحجم كأس العالم تفرض على اللاعبين والجهاز الفني ضغوطًا نفسية كبيرة، سواء نتيجة أهمية الحدث أو حجم التوقعات الجماهيرية والإعلامية المصاحبة له.
لذلك يجب عليكم أن تُحسنوا التعامل مع الضغط النفسي الناتج عن المشاركة في هذا الحدث العالمي الكبير. وأقترح عليكم، كلاعبين ومدربًا وجهازًا فنيًا، أن تتذكروا دائمًا حقيقة مهمة مفادها أن: «الضغط النفسي ليس في الحالة نفسها، وإنما في الكيفية التي نرى بها تلك الحالة ونتعامل معها».
لذلك انظروا إلى مبارياتكم أمام المنتخب الجزائري والمنتخب الأرجنتيني باعتبارها فرصة ممتعة ومثيرة للتحدي وإثبات الذات، لا باعتبارها مصدرًا للخوف أو التردد. فطريقة التفكير في الموقف كثيرًا ما تحدد طبيعة الاستجابة له.
خامسًا: المقدرة على كبت التعبير المباشر للانفعالات السلبية واستبدالها بانفعالات إيجابية
أثناء المباراة قد تحدث مواقف كثيرة تثير الانفعال أو الإحباط أو الغضب، لكن اللاعب المتميز هو الذي يمتلك القدرة على إدارة هذه الانفعالات وتوجيهها بصورة إيجابية.
فعندما تكون منطلقًا مع زميلك باتجاه مرمى الخصم، ثم يقوم زميلك بتمرير الكرة بصورة خاطئة فتذهب إلى المنافس، فإن المطلوب هنا ليس الانشغال بالغضب أو اللوم، بل تقبل ذلك الخطأ باعتباره جزءًا طبيعيًا من طبيعة اللعبة، ثم الإسراع إلى ساحة فريقك والمساهمة في حماية المرمى من الهجمة المرتدة.
فالفرق الكبرى لا تتميز بعدم وقوع الأخطاء، وإنما بسرعة التعافي منها واستعادة التركيز.
سادسًا: قبول الذات
أنت لاعب جيد أو حارس مرمى جيد، لكنك ترتكب خطأ في مباراة معينة. فهل يعتبر ذلك الخطأ أمرًا يقلل من قيمتك أو من قدراتك؟
بالطبع لا.
إن الخطأ جزء طبيعي من الرياضة التنافسية، واللاعب الناجح ليس هو اللاعب الذي لا يخطئ، بل اللاعب الذي يتعلم من أخطائه ويحوّلها إلى فرص للتطور والتحسن.
لذلك تعاملوا مع الأخطاء باعتبارها دروسًا تعليمية تساعدكم على اكتشاف مواطن الضعف والعمل على تطويرها، لا باعتبارها أحكامًا نهائية على قدراتكم أو قيمتكم الرياضية.
سابعًا: التحرر من الخوف اللامعقول
لا بد أن يكون لدى اللاعب مستوى معين من القلق أو الخوف قبل المباريات المهمة، فذلك أمر طبيعي بل وقد يكون مفيدًا أحيانًا في رفع مستوى اليقظة والاستعداد.
لكن لا تسمحوا لهذا الخوف بأن يتحول إلى عامل يسيطر عليكم أو يحد من قدراتكم وإمكاناتكم. العبوا بشغف، واستمتعوا بالمنافسة، وثقوا بقدراتكم، وتصرفوا وكأن هذا الخوف غير موجود.
فالخوف الذي يعيق الأداء هو الخوف الذي نعطيه حجمًا أكبر مما يستحق.
ثامنًا: تركيز الانتباه
يجب عليكم الانتباه إلى كل ما يجري حولكم داخل الملعب، وأن تتدربوا على المحافظة على التركيز بمستوى عالٍ طوال فترات المباراة؛ لأن التركيز يُعد أحد المتطلبات الأساسية للأداء الرياضي المتميز.
وتذكروا دائمًا أنكم تستقبلون خلال المباراة عددًا كبيرًا من المثيرات في الوقت نفسه، لكنكم لا تستطيعون الاستجابة لجميع هذه المثيرات بالدرجة نفسها وفي اللحظة نفسها. فالدماغ البشري لا يستطيع معالجة كل المعلومات الواردة إليه في آن واحد بالكفاءة ذاتها، وقد لا نشعر بذلك لأن هذه العمليات تتم بسرعة فائقة جدًا.
لذلك، إذا انشغل اللاعب بأصوات الجماهير، أو بالتفكير في الفوز أو الخسارة، أو بأي متغير آخر بعيد عن الواجب المطلوب منه تنفيذه، فإن دماغه سيضطر إلى التنقل بين أكثر من مهمة ذهنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض جودة الأداء وظهور الهفوات والأخطاء المؤثرة.
ومن هنا تأتي أهمية تركيز الانتباه على الواجب الفني والخططي المطلوب في اللحظة الراهنة، وعدم السماح للمشتتات الخارجية أو الداخلية بالتأثير في مستوى الأداء.
كلمة أخيرة
وأنتم تمثلون الأردن في هذا المحفل العالمي الكبير، تذكروا دائمًا أنكم لا تمثلون أنفسكم فقط، بل تمثلون وطنًا بأكمله يقف خلفكم بكل فخر ومحبة واعتزاز.
لقد وصلتم إلى هذه المرحلة بجهدكم وعملكم وإصراركم، وأنتم قادرون بإذن الله على تقديم صورة مشرّفة تعكس روح النشامى وقيم الرياضة الأردنية وأصالة هذا الوطن.
قاتلوا بروح النشامى التي عهدناها بكم، واستمتعوا بالتحدي، وآمنوا بقدراتكم، وتمسكوا بأحلامكم، وابذلوا كل ما تستطيعون من أجل رفع راية الأردن عاليًا في هذا الحدث العالمي الكبير.
متمنيًا لكم كل التوفيق والإنجاز وتحقيق الحلم والتقدم إلى الأدوار التالية، وأن تحققوا ما تصبون إليه وما نصبو إليه جميعًا في هذا الوطن العزيز. وأنتم تدخلون هذا التحدي العالمي الكبير، تذكروا أن خلفكم شعبًا بأكمله يؤمن بكم ويفخر بكم وينتظر منكم أن تقدموا الصورة التي تليق بالأردن وبروح النشامى. فقاتلوا بكل ما أوتيتم من عزيمة وإصرار، واستمتعوا بالتحدي، وآمنوا بقدراتكم، وقدموا كل ما لديكم داخل الملعب، فالأوطان تُبنى بالإنجاز، والإنجاز يبدأ بالإيمان بالنفس وبالقدرة على تحقيق المستحيل.
أخوكم المحب لكم ولتراب هذا الوطن الغالي
رئيس لجنة الشباب والرياضة في المجلس النيابي الثامن عشر والعميد السابق لكلية علوم الرياضة /الجامعة الأردنية