الاقتصاد المصري.. من “فخ الاستهلاك” إلى “ثورة الإنتاج” بقلم: د. لمياء عفرة
المرفأ نيوز — لم تكن دعوة الدولة المصرية للتحول نحو الإنتاج منذ عام 2015 مجرد شعار سياسي أو رفاهية اختيارية، بل كانت “جراحة عاجلة” لجسد اقتصادي عانى عقوداً من خلل هيكلي مزمن. فالاقتصاد الذي يرتكز على الاستهلاك بنسبة تتجاوز 80% من ناتجه المحلي هو اقتصاد “منكشف” وضعيف أمام الهزات العالمية. اليوم، ونحن نراقب المشهد بعين اقتصادية فاحصة، نجد أن مصر تخوض معركة حقيقية لتغيير هويتها الاقتصادية لتصبح “دولة منتجة” تمتلك قرارها من خلال تصنيع ما تحتاج وزراعة ما تأكل.
إن أي خبير اقتصادي يدرك جيداً أن بناء 17 مجمعاً صناعياً وتدشين آلاف المنشآت الإنتاجية ليس مجرد توسع عمراني، بل هو استراتيجية “توطين سلاسل الإمداد” لتقليل الاعتماد على الخارج. منذ عام 2015، ركزت الدولة على قطاعات تحويلية قادرة على خفض فاتورة الاستيراد بشكل مباشر. التحول الحقيقي يظهر في نمو مساهمة قطاعي الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما نطلق عليه “النمو الحقيقي” المستدام الذي لا يهتز بتقلبات سعر الصرف، بل يتقوى بزيادة حجم المعروض السلعي.
ولا يكذب لسان الأرقام في رصد هذا التطور؛ فقد قفزت الصادرات المصرية غير البترولية لتلامس حاجز الـ 36 مليار دولار، مدعومة بخطط طموحة للوصول إلى 100 مليار دولار. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية صماء، بل هو انعكاس لفتح أكثر من 10 آلاف مصنع جديد وتوسعات صناعية كبرى دخلت الخدمة فعلياً. إن الدولة لم تعد تكتفي بتصدير المواد الخام بأسعار زهيدة، بل اتجهت لتعظيم القيمة المضافة من خلال تصنيع محلي متكامل في قطاعات الكيماويات، الأسمدة، والأجهزة المنزلية التي بدأت تغزو الأسواق الإقليمية.
إن التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج يتطلب “نَفَسًا طويلاً” وإرادة سياسية صلبة، وما حدث في مشروعات استصلاح الأراضي الكبرى مثل “مستقبل مصر” و”الدلتا الجديدة” يؤكد أننا استعدنا بوصلة الأمن الغذائي. إن البنية التحتية العملاقة التي استثمرت فيها مصر لم تكن غاية في حد ذاتها، بل كانت “المُحفز” والركيزة الأساسية التي لولاها لما تجرأ مستثمر على ضخ استثمارات في قلب الصحراء. مصر اليوم تنتقل بثبات من خانة “المشتري” إلى خانة “البائع”، ليبقى الإنتاج هو الدرع الوحيد القادر على حماية العملة الوطنية وخلق فرص عمل حقيقية لملايين الشباب.