“إرث حي” في مجلة “الصقّار”… حين تتحوّل ذكريات المقناص إلى أمانة للغد..

5٬844

 

إرث زايد يتواصل في مسيرة نادي صقّاري الإمارات

25 عاماً من صون القيم ونقلها إلى الأجيال

 

المرفأ الاخبارية- أبوظبي، 4 سبتمبر 2026

كيف يبقى الإرث حيّاً؟

تُجيب مجلة “الصقّار” في عددها الجديد لشهر سبتمبر، عن هذا السؤال في بابها “إرث حي”، الذي يحمل عنوان “إرث زايد في مسيرة نادي صقّاري الإمارات”، مُستعرضاً عبر قصص إنسانية وشهادات توثيقية مسيرة امتدت عقوداً من الزمن، انتقلت فيها قيم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في الصقارة من رحلات المقناص ومجالس الصحراء إلى العمل المؤسسي، ومن جيل الآباء إلى الأبناء والأحفاد.

ولا يتوقف الباب عند استذكار الشيخ زايد صقّاراً وخبيراً بالصحراء، بل يتتبع الأثر الذي تركه في الأشخاص والمؤسسات والأجيال، وكيف تحوّلت رؤيته للصقارة إلى منظومة من القيم والممارسات التي يواصل نادي صقّاري الإمارات ترسيخها وتطويرها.

من رؤية زايد إلى مسيرة النادي

تبدأ الحكاية من إرثٍ عريق سبق تأسيس النادي، من رؤية الشيخ زايد للصقارة بوصفها ركيزة لصون التراث الثقافي وجسراً للحوار بين الشعوب، وهي الرؤية التي تجسّدت مبكراً في مؤتمر ومهرجان الصداقة الدولي للبيزرة عام 1976.

ومع تأسيس نادي صقّاري الإمارات عام 2001، حمل النادي مسؤولية إبراز هذا الإرث وتطويره ضمن إطار مؤسسي، لتتواصل المسيرة بمبادرات وبرامج محلية ودولية. وفي عام 2011، أعاد النادي إحياء مهرجان الصداقة الدولي للبيزرة، ثم تواصلت دوراته في 2014 و2017، بما رسّخ حضوره منصّة للحوار الثقافي وتبادل الخبرات بين الصقّارين.

وهنا يبرز المعنى الأساسي لـِ “الإرث الحي” فالوفاء للماضي لا يكون باستعادته فقط، وإنما بإبقاء رسالته فاعلة ومتجددة في الحاضر.

“درست في مدرسة زايد”.. حين يُصبح القائد مُعلّماً

في واحدة من أكثر الشهادات تعبيراً عن أثر الشيخ زايد، يستحضر الباب إجابة الشيخ سالم بن حم حين سُئل عن المدرسة التي درس فيها: “درست في مدرسة زايد، وما زلت طالباً للعلم والمعرفة حتى يومنا هذا”.

وتفتح هذه العبارة الباب أمام مفهوم أوسع للمدرسة التي تركها الشيخ زايد، مدرسة لم تكن كُتباً أو فصولاً، وإنما من خلال الصحبة في المقناص والمعايشة والممارسة، وغرس القيم بالفعل قبل القول.

ومن هذه المدرسة انتقلت المعرفة إلى أجيال لاحقة، ممن رافقوا الشيخ زايد في رحلات البر والقنص، ليتعلّموا منه أنّ الصقارة ليست مهارة فحسب، وإنما منظومة من الصبر والانضباط واحترام الطبيعة.

ويُقدّم الباب مدرسة محمد بن زايد للصقارة وفراسة الصحراء، البرنامج التعليمي الرائد لنادي صقّاري الإمارات، بوصفها امتداداً مُعاصراً لهذا المسار، حيث تلتقي الخبرة المتوارثة بالمعرفة الحديثة، ويتلقّى الصقّارون الناشئة والشباب العلم والخبرة على أيدي الممارسين.

المقناص.. حيث تُصنع القيم

وفي قلب العدد الجديد، تستعيد مجلة “الصقّار” فلسفة الشيخ زايد في المقناص، مُستحضرةً قوله: “القنص لا راحة فيه… إنّه يعلّم الجلد والصبر.”

فالصحراء عنده كانت مساحة للصيد، ومدرسة مفتوحة يتعلّم فيها الإنسان الصبر، ويختبر قدرته، ويتعرّف إلى الناس وأحوالهم، ويقترب من الطبيعة.

ويستعيد الصقّار ضاحي بن حمد المزروعي ذكرياته مع الشيخ زايد، واصفاً إيّاه بأنّه “مدرسة متفردة في القنص.. تعلّمنا منها حكماً بالغة وقيماً رفيعة”، فيما يؤكد الصقّار عبدالله ربيع القمزي أنّ ما زرعه الشيخ زايد في جيلهم انتقل بدوره إلى أبنائه،. ليتحوّل المقناص من ممارسة تراثية إلى وسيلة أساسية لنقل القيم من جيلٍ إلى جيل.

من الصحراء إلى الناس

وتكشف شهادات رفاق المقناص جانباً آخر من إرث الشيخ زايد، فكان يجعل من رحلات القنص فرصة للوقوف على أحوال الناس واحتياجات المناطق التي يمرّ بها.

ويروي الصقّار مرشد علي مرشد المرر أنّ المقناص مع الشيخ زايد لم يكن رحلة قنص عادية، بل كان فرصة لتفقد أحوال المواطنين والوقوف على احتياجاتهم، فيما يستعيد أجواء المجالس والأحاديث والشعر والقصص ومشاركة الشيخ زايد مرافقيه تفاصيل الرحلة، حتى إعداد الطعام.

إرث القائد.. وإرث الصقّار

وتُضيء “الصقّار” جانباً من شخصية المغفور له الشيخ زايد القيادية من خلال طريقة إدارته لرحلات المقناص، من توزيع الصقور ومتابعة تدريبها وصحتها، إلى متابعة أحوال الصقّارين واحتياجاتهم.

فالمقناص، كما يرسمه باب “إرث حي”، لم يكن بعيداً عن المسؤولية، بل كان امتداداً لنهج القيادة، حيث اجتمعت خبرة الصقّار، ودقة التنظيم، وقُرب القائد من الناس في تجربة واحدة.

الصقر.. رفيق في رحلة الإرث

وفي علاقة الشيخ زايد بالصقر، تظهر طبقة أخرى من هذا الإرث، إذ تستعيد “الصقّار” قصائده التي خاطب فيها صقوره كما يُخاطب صديقاً، في علاقة تقوم على الثقة والخبرة والمودّة والاحترام.

كما يستعرض الباب شهادات صقّارين إماراتيين ودوليين حول معرفته العميقة بالصقور، ومن بينهم الصقّار النمساوي كارل بوشبيرغر، الذي وصف الشيخ زايد بأنه خبير حقيقي في تقييم جودة الصقور.

حين تنتقل المسيرة من “الشيبان” إلى الشباب

لكنّ “الإرث الحي” لا يبقى فقط في ذاكرة من عاصروا الشيخ زايد، فالحكاية تصل إلى الشباب والناشئة.

ترصد “الصقّار” كيف بدأت رحلة كثير من الصقّارين الإماراتيين من خلال مرافقة الآباء والأجداد، ومراقبة تفاصيل التعامل مع الصقر وتدريبه والعناية به، قبل أن تنتقل هذه المعرفة إلى برامج التدريب والتأهيل التي يُقدّمها نادي صقّاري الإمارات من خلال مدرسة محمد بن زايد للصقارة وفراسة الصحراء.

وهنا يتحوّل الإرث من معرفة متوارثة إلى معرفة تُعلَّم وتُدرَّب وتُمارس، فيما يرى الصقّارون الشباب في الصقارة رسالةً قبل أن تكون هواية، وأمانةً يسعون إلى نقلها إلى الأجيال المقبلة.

والراية تصل إلى الأطفال

وتصل قصة الإرث إلى أبعد من ذلك، إلى الأطفال والأحفاد. فتروي الصقّارة الإماراتية عائشة أنّ علاقتها بالصقور بدأت وهي في الرابعة من عمرها على يد والدها، فيما يصف عبدالرحمن المزروعي الصقّارة بأنها أسلوب حياة أكثر من كونها هواية.

وفي شهادات الطلبة المُشاركين في برامج النادي الدولية، يظهر بُعد جديد للموروث، فالتعلّم لا يقتصر على التعامل مع الصقور، بل يمتدّ إلى التعرّف إلى ثقافات وتجارب مختلفة واكتساب مهارات جديدة.

وهكذا، يرسم باب “إرث حي” في مجلة “الصقّار” خيطاً متصلاً يبدأ من رحلات الشيخ زايد في الصحراء، ويمرّ بمسيرة نادي صقّاري الإمارات، وصولاً إلى الشباب والأطفال الذين يحملون الراية اليوم.

إنّه إرثٌ لا يعيش في الصور والذكريات وحدها، بل في ممارسةٍ مستمرة، وقيمٍ تنتقل، ومعرفةٍ تتجدد، وأجيالٍ تتعلّم كيف تحمل الأمانة إلى من يأتي بعدها. وهذا ما يجعل “إرث زايد في مسيرة نادي صقّاري الإمارات” حكايةً عن الماضي بقدر ما هي حكاية عن الحاضر والمُستقبل.

قد يعجبك ايضا