ثورة في جراحة العظام.. كيف يتحدى الذكاء الاصطناعي الفيزياء لمحاكاة الهيكل البشري؟

5٬520

 

متابعات – المرفأ

تفتح المواد الذكية الجديدة، المصممة بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، آفاقاً غير مسبوقة في عالم الطب؛ إذ تمكّن العلماء من تطوير بدائل عظمية ومفاصل صناعية أكثر صلابة، إلى جانب تحسين كفاءة وسرعة التئام الكسور المعقدة.

التحدي: مواد تتحدى قوانين الطبيعة

بدأت القصة مع البروفيسور أمير زادبور، أستاذ جراحة العظام في المركز الطبي لجامعة لايدن بهولندا، الذي كان يبحث عن مادة مستحيلة بمقاييس الفيزياء التقليدية: مادة تزداد سُمكاً عند تمديدها (على عكس الشريط المطاطي الذي يصبح أرق كلما مُدّ)، مع الحفاظ على صلابة تضاهي العظام البشرية.

لماذا يحتاج الأطباء هذه المادة؟

أزمة مفاصل الورك: تعد عمليات استبدال مفصل الورك من الأكثر شيوعاً، لكن حركة المريض التي تصل لمليوني خطوة سنوياً تُعرّض المفصل للتآكل والارتخاء بعد عقد من الزمن.

الحل الذكي: دمج مادتين تعملان بشكل متعاكس؛ إحداهما تتسع عند الضغط والأخرى عند الشد، مما يضمن ثبات “الزراعة الطبية” والتحامها بقوة مع عظمة الفخذ الطبيعية.

“المواد الفائقة”.. عندما يتفوق الذكاء الاصطناعي على المحاكاة البشرية

نظراً لأن المواد التي تزداد سُمكاً بالشد (المواد الأوكسيتية) تكون لينة في الطبيعة (مثل واقيات الركب)، لجأ الفريق إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

النتيجة: نجح النظام في ابتكار “مواد فائقة” (Metamaterials) وهي بنيات مجهرية هندسية تكتسب خصائص خارقة وغير مألوفة، تدمج بين الصلابة الفائقة والمرونة الأوكسيتية، وهو إنجاز صرّح زادبور بأنه “كان مستحيلاً دون الذكاء الاصطناعي”.

من الصفائح المعدنية القاسية إلى “الضمادات السائلة”

في سياق متصل، يقود البروفيسور سد كومار من جامعة دلفت التقنية مشروعاً لإنتاج عظام لينة لعلاج الكسور المعقدة لدى كبار السن.

المشكلة في العلاج التقليدي: صفائح التيتانيوم والفولاذ الحالية صلبة جداً، وتمتص القوى بدلاً من العظام، مما يؤدي إلى موت الأنسجة العظمية المحيطة بها لعدم تعرضها للإجهاد الطبيعي.

البديل الذكي: طوّر الفريق عبر الذكاء الاصطناعي مادة فائقة شبكية ولينة (شبه سائلة كالهيدروجيل) توضع كـ”ضمادة دائرية ثاقبة” تسمح للخلايا الحية بالتكاثر والاندماج مع العظم في المراحل المبكرة الحاسمة للشفاء.

محاكاة “قرص العسل” البشري عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد

نجح فريق كومار أيضاً في تطوير مواد تُدعى “السبينودويدات”، وهي مواد تحاكي بدقة بنية “العظم التربيقي” المسامية (الموجودة في نهايات العظام الطويلة كالذراعين والساقين والتي تشبه قرص العسل في امتصاص الصدمات).

بفضل التعلّم الآلي، تمكنوا من ضبط هذه البنية لتكون:

صلبة جداً في مناطق معينة لتعويض العظم المفقود.

مسامية في مناطق أخرى لتحفيز نمو الأنسجة الطبية الحية داخلها.

قابلة للتصنيع بدقة عالية عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد.

أفق المستقبل: جراحات عبر ثقوب صغيرة ومفاصل مخصصة

يؤكد العلماء أن المخطط القادم خلال سنوات قليلة سيتيح:

زراعات عظمية مخصصة: يتم تصميمها بدقة عبر الذكاء الاصطناعي لتطابق التشريح الفريد لكل مريض، مما يطيل عمر المفصل الافتراضي.

المفاصل القابلة للانتشار: زراعات ذكية تدخل الجسم وهي “منكمشة” عبر فتحات جراحية صغيرة جداً (تقليل التدخل الجراحي)، ثم تتمدد وتتخذ شكلها النهائي بدقة وتملأ الفراغ بمجرد استقرارها في موضع الإصابة.

قد يعجبك ايضا