خلق الحياء تاج الفضيله ….بقلم الداعيه الدكتورة نبية محمود واعظة جامع عمرو بن العاص
المرفأ نيوز- في الإسلام وأثره في صيانة المرأة وبناء المجتمع
يعيش العالم اليوم طفرة مادية ومعلوماتية هائلة، لكن هذه الطفرة جاءت أحياناً على حساب القيم الروحية والأخلاقية. ومن بين أسمى هذه القيم التي تعرضت للتهميش قيمة الحياء. الحياء في الإسلام ليس مجرد سلوك عابر أو شعور بالخجل، بل هو “دينامو” الأخلاق، والخط الدفاعي الأول عن نقاء النفس الإنسانية واستقرار المجتمع.
1. الحياء في الإسلام والقرآن الكريم: أصالة المفهوم
لم يترك الإسلام الحياء كخيار ثانوي، بل جعله قرين الإيمان؛ فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر.
حياء النبي ﷺ: قمة الهيبة والقوة
عندما نريد أن نفهم الحياء بمعناه الحقيقي، يجب أن ننظر إلى المعلم الأول ﷺ. هناك حديث عظيم يصف بدقة حياء النبي، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
“كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا” (رواه البخاري).
ما معنى هذا الوصف البليغ؟
الخِدر: هو الستر أو الغرفة الخاصة التي تجلس فيها الفتاة البكر الشابة في بيت أهلها، حيث تكون في أعلى درجات الحشمة والبعد عن أعين الغرباء.
الدلالة: أن يوصف قائد الأمة، والزعيم الشجاع، والمحارب الذي يخوض المعارك، بأنه “أشد حياءً من العذراء”، فهذا ينسف المفهوم المغلوط بأن الحياء ضعف أو انكسار. بل هو سمو نفسي، وعمق إنساني، وتهذيب للمشاعر. كان النبي ﷺ إذا كره شيئاً عُرف في وجهه من شدة حيائه، ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً. هذا يعلمنا أن الحياء صفة العظماء والأقوياء.
الحياء في القرآن الكريم
لقد خلّد القرآن الكريم حياء المرأة في أبهى صورة في قصة ابنة شعيب مع موسى عليه السلام:
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [القصص: 25].
القرآن لم يقل “جاءت مستحية” بل قال {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، وكأن الحياء هو السجادة التي تمشي فوقها، أو الظل الذي يستظل به جسدها وحركاتها وكلامها. هذا النموذج يوضح كيف يكون الحياء مصدر فخر واعتزاز للمرأة، وليس سبباً للاختباء أو التهميش.
2. كيف يعيد الحياء للمرأة حقّها ويصون كرامتها؟
في العصر الحديث، رُوّج لمفهوم خاطئ للحرية أدى في كثير من الأحيان إلى “تسليع المرأة”، حيث أصبحت قيمتها تُقاس بمدى جرأتها، أو إبراز مفاتنها، أو قدرتها على جذب الانتباه البصري.
هنا يأتي الحياء ليعيد للمرأة حقها المسلوب من خلال الآتي:
نقل التقييم من الجسد إلى العقل والروح: عندما تتحلى المرأة بالحياء (في لباسها، وحديثها، وتصرفاتها)، فإنها تجبر العالم على التعامل مع فكرها، وكفاءتها، وإنسانيتها، بدلاً من اختزالها في مظهرها الخارجي.
فرض الاحترام والمهابة: المرأة الحية تحيط نفسها بهالة من الوقار تمنع المتطفلين وأصحاب النفوس المريضة من التجرؤ عليها. الحياء يعطيها “حق الخصوصية” وألا تكون مستباحة لكل عين أو لسان.
التحرر من عبودية “المعايير الزائفة”: الحياء يحرر المرأة من الضغط النفسي الرهيب لملاحقة صيحات الموضة الجريئة وعمليات التجميل الهادفة لإرضاء نظرة المجتمع، ويعيد ربطها بمرضاة الله والرضا عن النفس.
3. أسباب غياب الحياء في المجتمع المعاصر
لكي نعالج المشكلة، يجب أن نفهم أين الخلل. هناك أسباب واضحة أدت إلى تراجع هذه القيمة:
التبذل الرقمي وهوس “اللايكات”: منصات التواصل الاجتماعي حوّلت الخصوصية إلى مشاع. أصبح البعض مستعداً للتنازل عن أسرار بيته، أو حياء لباسه، أو وقار كلماته من أجل تحقيق نسب مشاهدة عالية (تريند).
الغزو الثقافي الممنهج: تصدير الفلسفات الغربية التي ترى الحياء “عقدة نفسية” أو “كَبْتاً”، والترويج للجرأة والوقاحة على أنها “ثقة بالنفس” و”قوة شخصية”.
تراجع دور الأسرة والقدوة: انشغال الآباء والأمهات عن التربية الأخلاقية العميقة، والاعتماد على الشاشات لتربية الأبناء، مما خلق جيلاً يتلقى قيمه من الغرباء.
4. كيف تزرع الأم الحياء في أبنائها وبناتها؟
الأم هي مدرسة الحياء الأولى، وبناء جيل حييّ يتطلب منها خطوات عملية وذكية:
أ. القدوة العملية (أهم خطوة)
لن يتعلم الأبناء الحياء من النصائح النظرية، بل برؤية سلوك الأم؛ حياؤها في تعاملها مع زوجها، التزامها باللباس الساتر داخل وخارج البيت، غضها لبصرها، وضبط لسانها عن الألفاظ النابية.
ب. غرس الحياء في البنات
الاحتشام المتدرج: تعويد الفتاة على اللباس الساتر منذ الصغر بحب واقتناع، وتعليمها أن جسدها غالٍ وثمين لا يجوز أن يراه إلا من يستحق.
حياء الكلمة والمشية: تعليمها كيف تتحدث بوقار دون خضوع بالقول، وكيف تمشي بثقة دون تكسّر أو لفت للانتباه.
ج. غرس الحياء في الأولاد (الذكور)
الحياء ليس حكراً على النساء؛ بل هو واجب على الرجال أيضاً:
غض البصر: تعليم الولد منذ صغره أن يحترم خصوصية الآخرين وألا يطلق بصره في عورات الناس أو على الإنترنت.
احترام المرأة: تربيته على أن شهامته ورجولته تكمن في حماية حياء أخواته ونساء المسلمين، وليس في التحرش أو التجرؤ عليهن.
5. مقومات عودة الحياء للمجتمع
إعادة الحياء للمجتمع ليست مسؤولية فردية، بل هي مشروع جماعي يتطلب تضافر عدة جهود:
الإعلام الرقمي البديل: صناعة محتوى وصناع محتوى يقدمون “القدوة الحية”؛ نساء ناجحات ومحتشمات، ورجال ذوي مروءة وحياء، لإثبات أن الحياء لا يتعارض مع النجاح والتميز.
المؤسسات التعليمية والدينية: إعادة إدراج التربية الأخلاقية في المدارس، وتكثيف الخطب والدروس التي تشرح مفهوم الحياء الشامل (الحياء من الله، من النفس، ومن الناس).
إحياء قيمة “الشهامة والمروءة”: أن يتحمل المجتمع مسؤوليته؛ فلا يُسمح بالمجاهرة بالمعاصي أو السلوكيات الخادشة في الفضاء العام، بل يُنكر ذلك بالمعروف والأسلوب الحكيم.
خاتمة المقالة:
إن الحياء هو صمام الأمان الذي يحفظ للمجتمع إنسانيته ويحميه من السقوط في الغريزية الحيوانية. وإذا أردنا للمرأة أن تستعيد حقها وكرامتها، وللمجتمع أن يستعيد توازنه، فلن نجد دليلاً أفضل من هدي النبي ﷺ الذي جعل الحياء شعبة من شعب الإيمان، وزينة لا تأتي إلا بكل خير.