الذكاء الاصطناعي الأخضر… هل تبدأ الاستدامة من الخوارزميات أم من الإنسان؟ بقلم: د. رشا الجزار

3٬306

المرفأ الاخبارية – كل تقدم تقني يطرح سؤالًا علميًا، لكنه يثير في الوقت ذاته سؤالًا أخلاقيًا. وإذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل الثورة التقنية الأبرز في القرن الحادي والعشرين، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس إلى أي مدى أصبح أكثر ذكاءً، بل إلى أي مدى أصبحنا أكثر حكمة في توجيهه.

في خضم التحديات التي فرضتها التغيرات المناخية، اتجهت الأنظار إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد الأدوات القادرة على دعم جهود الاستدامة. فمن تحليل البيانات البيئية، إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وإدارة الموارد الطبيعية، تتزايد تطبيقاته بصورة تعكس ما يمكن أن يقدمه العلم عندما يُوجَّه لخدمة الإنسان والبيئة.

وتشير التقارير الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك بالفعل إمكانات واعدة لتحسين كفاءة أنظمة الطاقة ودعم دمج مصادر الطاقة المتجددة، كما يسهم في تطوير أدوات أكثر دقة للتنبؤ بالظواهر الجوية المتطرفة وتحليل البيانات المناخية. وفي المقابل، تؤكد هذه التقارير أن التوسع في البنية التحتية الرقمية، ولا سيما مراكز البيانات، يرفع الطلب على الطاقة، وهو ما يجعل الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي مرتبطًا بكيفية إدارة هذه التقنيات، وبمصادر الطاقة التي تعتمد عليها، وبالسياسات المنظمة لتطويرها واستخدامها.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالذكاء الاصطناعي ليس حلًا سحريًا لأزمة المناخ، كما أنه ليس عبئًا بيئيًا في حد ذاته. إنه أداة تتحدد قيمتها بقدرتنا على توجيهها، وبالمنظومة الأخلاقية التي تضبط استخدامها. ولهذا، فإن الحديث عن “الذكاء الاصطناعي الأخضر” لا ينبغي أن يقتصر على كفاءة الخوارزميات أو سرعة المعالجة، بل يجب أن يمتد إلى قيم المسؤولية، والشفافية، والاستدامة.

وقد أكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أن حماية البيئة واستدامة النظم البيئية تمثلان أحد المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها. ولا يعكس هذا التوجه اهتمامًا بالبيئة فحسب، بل يؤكد أن مستقبل التكنولوجيا لا ينفصل عن مستقبل الإنسان، وأن الابتكار الحقيقي هو الذي يوازن بين الكفاءة التقنية والمسؤولية الأخلاقية.

ومن هنا تبرز فلسفة التربية، ليس بوصفها مجالًا نظريًا، بل باعتبارها الإطار الذي يجيب عن سؤال الغاية من المعرفة. فالتربية لا تصنع مبرمجًا فقط، بل تصنع إنسانًا يدرك أثر ما يبتكره في المجتمع والبيئة. وهي التي تغرس قيم التفكير النقدي، والالتزام الأخلاقي، واحترام الموارد، والشعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

إن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تعليم الطلاب كيفية استخدام التقنيات الحديثة، بل يجب أن يشمل بناء وعي يمكنهم من إدراك آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فالمستقبل لن يحتاج إلى مستخدمين أكثر مهارة فحسب، بل إلى مواطنين أكثر مسؤولية، قادرين على الموازنة بين متطلبات الابتكار وضرورات الاستدامة.

وفي هذا السياق، تكتسب التربية من أجل التنمية المستدامة أهمية متزايدة، لأنها تنقل الاستدامة من كونها مفهومًا بيئيًا إلى ثقافة مجتمعية وسلوك يومي. وعندما يصبح احترام البيئة جزءًا من منظومة القيم، تتحول التكنولوجيا من غاية في ذاتها إلى وسيلة لتحقيق تنمية أكثر عدلًا وتوازنًا.

لقد أثبت التاريخ أن التقدم العلمي لا يُقاس بعدد الابتكارات، وإنما بقدرة المجتمعات على توظيفها لصالح الإنسان. فالاختراعات الكبرى لم تكن يومًا معيارًا للحضارة بقدر ما كان معيار الحضارة هو كيفية استخدام تلك الاختراعات، ومدى التزامها بقيم العدالة والمسؤولية والكرامة الإنسانية.

ولهذا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بشراء أحدث التقنيات، وإنما يبدأ ببناء الإنسان القادر على استخدامها بوعي. فالتكنولوجيا قد تطور أدواتنا، لكن التربية هي التي تطور أحكامنا، وتصوغ ضمائرنا، وترشد اختياراتنا.

إن العالم لا يحتاج إلى ذكاء اصطناعي أكثر قوة فحسب، بل يحتاج إلى إنسان أكثر وعيًا. وإذا كانت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات واتخاذ القرارات، فإنها لا تستطيع أن تحدد ما هو الخير العام، ولا أن تزن الاعتبارات الأخلاقية، ولا أن تتحمل مسؤولية المستقبل.

ومن هنا، فإن القضية ليست كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً، بل كيف نجعل الإنسان أكثر قدرة على توجيه هذا الذكاء في خدمة الحياة.

فالتكنولوجيا قد ترسم ملامح المستقبل، لكن التربية هي التي تمنحه ضميره. وبين العقل الذي يبتكر، والضمير الذي يوجه، تتحدد ملامح التنمية المستدامة، ويتقرر مستقبل الإنسان على هذا الكوكب.

باحثة أكاديمية في فلسفة التربية

قد يعجبك ايضا