«سحر الأنوثة»… حين تتحول جلسات العلاج النفسي إلى رحلة روائية لاكتشاف الذات
كتب:إبراهيم عمران
المرفأ الاخبارية – لم تعد الرواية العربية تكتفي بسرد الحكايات التقليدية، بل اتجه كثير من الكُتّاب إلى استثمار الأدب بوصفه مساحة لطرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان، والنفس، والعلاقات، والبحث عن المعنى. ومن هذا المنطلق تأتي رواية «سحر الأنوثة» للكاتبة ياسمين النبراوي، التي تقدم تجربة مختلفة تمزج بين السرد الأدبي والطرح النفسي، في قالب يستلهم أجواء جلسات العلاج النفسي، ليقود القارئ في رحلة داخل أعماق الشخصيات، وربما داخل نفسه أيضًا.
وعلى الرغم من أن عنوان الرواية قد يوحي للوهلة الأولى بأنها تتناول مفهوم الأنوثة بمعناه التقليدي، فإن العمل يذهب إلى مساحة أكثر اتساعًا وعمقًا. فالأنوثة هنا لا تُقدَّم باعتبارها مظهرًا أو مجموعة من الصفات الخارجية، وإنما بوصفها حالة من الوعي والتصالح مع الذات، وقدرة الإنسان على مواجهة جراحه النفسية، وفهم دوافعه، وإعادة بناء علاقته بنفسه وبالآخرين.
تعتمد الرواية على بناء سردي غير مألوف، إذ تأتي في هيئة جلسات علاج نفسي تتتابع خلالها الحكايات، وتنكشف طبقات الشخصيات تدريجيًا. ومع كل جلسة يقترب القارئ أكثر من العالم الداخلي للأبطال، ليتعرف إلى أنماط مختلفة من الشخصيات، وكيف تتشكل تصرفاتها نتيجة الخبرات السابقة، والصدمات، والمخاوف، والاحتياجات العاطفية غير المشبعة. ولا يبدو الهدف من ذلك تقديم تشخيصات نفسية بقدر ما هو إلقاء الضوء على تعقيدات النفس البشرية، والدعوة إلى فهمها قبل إصدار الأحكام عليها.
ومن أبرز نقاط قوة الرواية أنها تجعل القارئ شريكًا في التجربة، فلا يظل متابعًا للأحداث من الخارج، بل يجد نفسه يراجع كثيرًا من أفكاره ومشاعره، وربما يتساءل إن كان يحمل بعضًا من ملامح إحدى الشخصيات. وهذه القدرة على خلق حالة من التأمل الذاتي تمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الحكاية، ليصبح تجربة وجدانية تدفع إلى التفكير أكثر مما تقدم إجابات جاهزة.
وتنجح ياسمين النبراوي في تقديم الموضوعات النفسية بلغة سلسة وبسيطة، بعيدة عن التعقيد الأكاديمي أو المصطلحات المتخصصة، وهو ما يجعل الرواية قريبة من القارئ العام، دون أن تفقد جديتها أو عمقها. كما أن الحوار يأتي طبيعيًا ومنسجمًا مع طبيعة الجلسات العلاجية، فيسهم في كشف الشخصيات تدريجيًا، ويمنحها مساحة للتعبير عن مخاوفها، وصراعاتها، ورغبتها في التعافي.
ولا تقف الرواية عند حدود استعراض الألم الإنساني، بل تفتح نافذة للأمل، إذ تؤكد أن الوعي بالنفس يمثل الخطوة الأولى في طريق الشفاء. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من محاولة إخفاء الجراح، وإنما من الاعتراف بها، وفهم أسبابها، والعمل على تجاوزها. ومن هنا تحمل الرواية رسالة إنسانية تؤكد أن داخل كل إنسان نورًا قادرًا على مقاومة العتمة، مهما كانت التجارب التي مر بها.
كما يلفت الانتباه أن الرواية لا تنظر إلى الشخصيات بمنطق الإدانة أو التبرير، بل تتعامل معها بوصفها نماذج إنسانية تحمل نقاط قوة وضعفًا في آن واحد. وهو ما يمنح النص قدرًا من الواقعية، ويجعل الشخصيات أقرب إلى أشخاص قد نصادفهم في حياتنا اليومية، أو نكتشف أننا نشبههم في بعض المواقف.
ومن الناحية الفنية، يعتمد العمل على إيقاع هادئ يتناسب مع طبيعة التأمل النفسي، ويمنح القارئ فرصة للتفاعل مع كل محطة من محطات السرد، بعيدًا عن الإثارة المصطنعة أو الأحداث المتلاحقة. كما يسهم هذا البناء في ترسيخ الفكرة الأساسية للرواية، وهي أن رحلة الإنسان نحو فهم ذاته لا تحدث دفعة واحدة، وإنما تتشكل عبر محطات متتابعة من الوعي والمواجهة والمصالحة.
وفي المجمل، تقدم «سحر الأنوثة» تجربة روائية تجمع بين الأدب والبعد النفسي، وتفتح بابًا للتأمل في طبيعة الإنسان، وأنماط الشخصيات، وأثر التجارب الحياتية في تشكيل السلوك. وهي رواية لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تدعو قارئها إلى إعادة النظر في ذاته، والتعامل مع الآخرين بقدر أكبر من الفهم والرحمة. ومن ثم تمثل إضافة مميزة إلى الأعمال الأدبية التي توظف السرد وسيلة لاكتشاف النفس، وتؤكد أن البحث عن النور يبدأ دائمًا من الداخل، وأن رحلة التعافي الحقيقية تنطلق من لحظة الصدق مع الذات.