هل تصبح دول الخليج ساحة حرب بالوكالة أم مركزًا للاستقرار؟
المرفأ- في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز منطقة الخليج العربي بوصفها إحدى أكثر الساحات حساسية في معادلة الصراع الإقليمي، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وبين هذين المعسكرين، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام تحدٍ استراتيجي بالغ التعقيد: هل تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة، أم تنجح في ترسيخ موقعها كمركز للاستقرار والازدهار؟
تعاني منطقة الخليج العربي من هشاشة أمنية تاريخية مرتبطة بموقعها الجغرافي وثرواتها الاستراتيجية، غير أن طبيعة التهديدات اليوم باتت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، إذ لم تعد الحروب تقليدية، بل أصبحت تعتمد على “الحروب بالوكالة” عبر أذرع إقليمية ممتدة. وتُعد إيران لاعبًا رئيسيًا في هذا السياق، من خلال شبكة من القوى الحليفة والميليشيات المنتشرة في عدد من الدول العربية، من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن. في المقابل، يتعزز التعاون الأمني بين دول الخليج وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل تحولات استراتيجية رسختها اتفاقيات التطبيع، ما جعل المنطقة أكثر ارتباطًا بتوازنات القوى الدولية والإقليمية.
أحد أبرز المخاوف يتمثل في احتمال امتداد المواجهات الإقليمية إلى داخل أراضي الخليج أو مياهه أو مجاله الجوي. فالضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، والتي قد تمر عبر أجواء المنطقة، ترفع منسوب المخاطر الأمنية إلى مستويات غير مسبوقة. كما أن استهداف المنشآت النفطية أو خطوط الملاحة في الخليج العربي، خصوصًا في مناطق حيوية مثل مضيق هرمز، يشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، وليس فقط لدول المنطقة، وقد أثبتت أحداث السنوات الماضية أن هذا السيناريو ليس افتراضيًا، بل احتمال قائم في أي تصعيد إقليمي.
ورغم التحديات، تمتلك دول الخليج العربي عناصر قوة مهمة تؤهلها للعب دور مختلف تمامًا عن مجرد كونها ساحة صراع. فالثروات الاقتصادية والاستثمارات الضخمة، إلى جانب مشاريع التحول الوطني مثل رؤية السعودية 2030، تجعل من الاستقرار خيارًا استراتيجيًا لا بديل عنه. كما أن رؤية الإمارات 2071 تعكس توجهًا طويل المدى نحو الاقتصاد المعرفي والانفتاح العالمي، ما جعل من دول الخليج بيئة جاذبة للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، وهو ما يتطلب بالضرورة استقرارًا سياسيًا وأمنيًا مستدامًا.
في السنوات الأخيرة، اتجهت دول الخليج إلى تبني سياسة خارجية أكثر مرونة تقوم على التوازن وتعدد الشراكات، سواء مع الغرب أو مع قوى مثل الصين وروسيا، إلى جانب فتح قنوات حوار مع إيران نفسها. هذا النهج يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد على محور واحد لم يعد كافيًا في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، حيث تتراجع الهيمنة الأحادية لصالح توازنات أكثر تعقيدًا.
ويبقى التحدي الأساسي أمام دول الخليج هو تحويل قوتها الاقتصادية ودورها الدبلوماسي إلى مظلة ردع حقيقية تمنع انزلاق المنطقة نحو الصراع المباشر. ففي حال نجاحها في إدارة التوازنات الإقليمية بحكمة، يمكن أن تتحول المنطقة إلى مركز عالمي للاستقرار والتأثير الاقتصادي، أما في حال تصاعد المواجهات دون ضوابط، فإن خطر التحول إلى ساحة حرب بالوكالة سيظل قائمًا بقوة.
إن مستقبل الخليج العربي لا يتوقف فقط على توازنات القوى الإقليمية، بل على قدرة دوله على صياغة نموذج أمني وتنموي مستقل يحمي مصالحها ويعزز مكانتها الدولية. وبين خيار الاستقرار وخطر التصعيد، تبدو دول الخليج أمام لحظة تاريخية فاصلة، عنوانها الأبرز: إما أن تكون مركزًا لصناعة الاستقرار، أو ساحة لصراعات الآخرين.
بقلم: د. أحمد صفوت السنباطي