حين يتحول اللقب الأكاديمي إلى قناع وصناعة الوهم

2٬511

إبراهيم عمران
المرفأ- في بعض البيئات المهنية، لا سيما تلك التي يفترض أنها تقوم على العلم والرصانة، تظهر نماذج إنسانية تثير الدهشة أكثر مما تثير الاحترام. نماذج لا تتصالح مع العمر، ولا تعترف بقوانين النضج، بل تصر على العيش داخل صورة صنعتها لنفسها، حتى وإن كانت تلك الصورة أقرب إلى الانطباع منها إلى الواقع. من بين هذه النماذج ما يمكن تسميته بـ«الدكتور المتصابي»؛ شخصية تجاوزت الستين زمنًا، لكنها لم تتجاوز مرحلة إثبات الذات نفسيًا.
هذا النموذج لا يرى في العمر خبرة تُحتَرم، بل عبئًا يحاول الهروب منه. ينكر سنواته، ويتعامل مع من حوله بعقلية الباحث عن الإعجاب لا الباحث عن المعرفة. يحيط نفسه بهالة مصطنعة من النفوذ، فيتحدث باستمرار عن علاقات قوية، واتصالات نافذة، وفرص عمل قادرة — كما يطرح — على تغيير مستقبل من يقترب منه. لكن مع مرور الوقت، قد يتبين أن بعض هذه الوعود لا تستند دائمًا إلى أسس واضحة، وأن الهدف قد لا يكون التعاون المهني بقدر ما هو توسيع دائرة العلاقات الشخصية.
اللافت أن دائرة اهتمامه لا تتجه نحو العمل الأكاديمي بقدر ما تتركز حول بناء علاقات متعددة ضمن محيطه. بعض هذه العلاقات قد يكون قائمًا على الرضا المتبادل، وربما بدافع البحث عن حضور اجتماعي أو مهني. وأخرى قد تنشأ في ظل احتياجات نفسية أو رغبة في التقدير، ما يجعل بعض الأطراف أكثر قابلية للتأثر بخطاب الإطراء والاهتمام.
يعتمد «المتصابي» على أدوات نفسية معروفة: الإيحاء بالقرب من دوائر مؤثرة، صناعة الانبهار، وتقديم وعود مؤجلة. يخلق شعورًا بالتميز لدى من يقتربون منه، وكأن العلاقة معه بوابة لفرص استثنائية. ومع الوقت، قد تتحول هذه العلاقات إلى مساحة رمادية تختلط فيها المهنية بالشخصي، ويصبح اللقب العلمي مجرد غطاء شكلي لا يعكس بالضرورة جوهر الممارسة.
المفارقة أن مثل هذه الأنماط السلوكية، حيثما وُجدت، غالبًا ما تكون معروفة ضمن نطاقها الضيق، وتدور حولها انطباعات متكررة. ومع ذلك، قد يستمر هذا النمط من التفاعل في بعض الحالات، نتيجة تقاطع مصالح أو توقعات متبادلة بين الأطراف.
ولعل المثل الشعبي القديم «الطيور على أشكالها تقع» يلخص جانبًا من المشهد؛ إذ لا تستمر هذه العلاقات إلا عندما يلتقي تصور بتصور آخر. فالمتصابي يبحث عن الإعجاب الدائم، وبعض من ينجذبون إليه يبحثون عن إثبات ذات سريع أو تقدير مؤقت، فتتشكل دائرة مغلقة يصعب كسرها.
القضية هنا ليست عمرًا بيولوجيًا ولا حرية شخصية، بل مسؤولية أخلاقية ترتبط بالمكانة الأكاديمية. فحين يتحول الأستاذ إلى صانع انطباعات بدل أن يكون مصدر معرفة، تتأثر صورة المؤسسة العلمية نفسها، ويتراجع الخط الفاصل بين الاحترام المهني والسلوك غير المنضبط.
في النهاية، لا تكشف هذه الظاهرة ضعف الأفراد فقط، بل تكشف أيضًا حاجة المؤسسات إلى تعزيز ثقافة المهنية والشفافية، حيث يصبح الإنجاز الحقيقي هو معيار المكانة، لا الضجيج الاجتماعي ولا العلاقات العابرة. فالعلم يبقى حين يسقط الوهم، والاحترام الحقيقي لا يُصنع بالإيحاء، بل بالسلوك الذي يليق بمن يحمل لقب «دكتور».

قد يعجبك ايضا