الحب والانتماء والوفاء كتب: محمد نايف عبيدات

18٬208

:

 

المرفأ-في بطحاء مكة….. وقف النبي ﷺ وهو يغادرها مكرهاً، ليلقي نظرة الوداع، ويقول كلماته الخالدة:

“والله إنكِ أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجت.”

ومضى ﷺ في طريقه مهاجراً إلى يثرب، ليصنع منها مدينة أنارت الدنيا بنوره، وتكون المدينة المنورة حاضرة الدنيا.

انتزع ﷺ بعدله وأخلاقه النزاع والكراهية من القلوب، ووحّد الجميع، واندمج مع صحابته الكرام في المجتمع المتحوّل من الزراعة إلى التجارة والمدنية. فاندمجت جهود المهاجرين بأهل البلد الذين ناصروهم وآووهم، وقاسموهم البيت والطعام بكل حب وإخاء، وبلا مِنّة، فصاغوا نهجاً عملياً للتعايش السلمي ونبذ الخلافات.

وما هي إلا بضع سنين، حتى عاد ﷺ بعشرة آلاف مقاتل إلى مكة فاتحاً، فدخلها من جهاتها الأربع، وانتصر على من ظلموه وأخرجوه. فقابلهم أذلة صاغرين، فأصدر عفوه وصفح عمّن ظلمه، ثم سار نحو حُنين فنصره الله، واجتمعت الغنائم بين يديه، واكتمل الفتح، وارتفعت راية الإسلام، وأُعلنت انطلاقة دولة الإسلام الكبرى التي وُلدت في المدينة المنورة.

يوزع الغنائم، وينظر في وجوه من ناصروه، فيقرأ فيها الشك والريبة، وقد استعاد بلده ومسقط رأسه مكة. ويبدأ حواره مع الأنصار، الذين منعهم الإيمان وحب رسول الله من المِنّة بما قدموه له وللإسلام. فطمأنهم بقوله:

“أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشِعباً لسلكت وادي الأنصار وشِعبها.”

وهنا تنهمر دموعي وأنا أكتب، ممزوجة بدموع الأنصار، الذين ما كانوا ليطيقوا فراق رسول الله ﷺ وخروجه من بينهم. وترك ﷺ مسقط رأسه، والبيت الحرام، وأحب أرض الله إليه، وأبى إلا أن يكمل حياته حتى توفاه الله، ودُفن في المدينة المنورة، ليسطر لنا نهجاً جديداً في الحب والانتماء والوفاء. فحبه لمكة لم يمنعه من الانتماء والوفاء لأهل المدينة.

اليوم، وبعد أربعة عشر قرناً من ذلك المشهد، وقفتُ على أرض الكرامة أنظر إلى فلسطين الأسيرة، واسترجع مسيرة آلاف المهاجرين الذين اجتازوا الحدود قهراً، فراراً بدينهم وأطفالهم ونسائهم إلى شرق الأردن. ويلتحم الشعبان كما التحم المهاجرون والأنصار، ويتكاتفون معاً ليصنعوا مجد ورفعة هذه الأمة دون مِنّة، وليُسكِتوا دعاة الفتنة.

فإن كنا قد نصرناكم في الأمس، فأنتم اليوم الأهل والصهر والخال. وإن كنا قد استقبلناكم وقاسمناكم البيت ولقمة العيش، فأنتم اليوم ساهمتم برفعة الوطن، مساهمة كرم وعطاء، كما كان لأصحاب رسول الله ﷺ أثرهم في بناء الدولة.

وإن كان لنا أسوة في هذه الدنيا، فليكن لنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، في رد الجميل، والوفاء، والانتماء. ولنُسكت معاً المنتفعين والمأجورين الذين تغذّوا على دماء الشعوب في ليبيا والسودان وغيرها. فدماؤكم أعز علينا من دمائنا، وبوصلتنا واحدة، لم ولن تنحرف يوماً عن الأقصى، ومسرى الرسول ﷺ.

 

قد يعجبك ايضا