جيل الاستقلال .. بقلم: محمد نايف عبيدات

166٬189

 

المرفأ- في هذه الليالي العشر، أمسكتُ قلمي أتأمل الحجيج في مكة المكرمة، وإذا بالمشاهد تجتمع في مخيلتي؛ فها هو يوم التروية حيث يتزود الحجاج بالماء تأهباً لما هو قادمٌ مِن عظيم المشاعر، ووصول كسوة الكعبة الجديدة، يصادف يوم الاستقلال الثمانين لوطني الحبيب الأردن.

ثمانون عاماً مضت ذهب فيها جيلان، ونحن اليوم على عتبة الجيل الثالث في عُرف الدول والأجيال. لقد وقع على عاتق الجيل الأول التحرُّرْ، ونفض غبار التبعية، وكسر قيود الاستعمار، وتوحيد الصف والاستقرار، والخروج من ظلمات الجاهلية التي رافقتهم لعقودٍ مضت. ثم جاء الجيل الثاني ليحمل على عاتقه إرساء قواعد الدولة وبناء المرافق، متحدياً صعاباً جمة أحاطت بمسيرة الاستقلال، وظروفاً دولية معقدة أطاحت بالعديد من الدول والأنظمة، وطالت أقطاب القوى العالمية. تغير فيها كل شيء؛ اندلعت الحروب وتساقطت الدول حولنا، فكان الاختبار الأصعب؛ اختبار الصمود، وقد تجاوزناه والحمد لله بكلِّ حكمةٍ وهدوء، وتمكن الوطن مِن احتواء أزمات الداخل والجوار بنجاح وقوة، حتى وصلنا إلى الجيل الثالث؛ جيل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وهو ما وقفتُ عنده اليوم طويلاً.

أعادني مشهد تزوُّد الحجيج بالماء استعداداً لِما هو قادم، بمشهدِ الجيل الثالث للاستقلال وقد ملأ زوَّادته بهمومٍ وتحديات تكسر الجبال، وتُحطم الصخور، ليسير بها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين -حفظه الله ورعاه وسدد على طريق الخير خطاه- نحو برّ الأمان. فإذا كان الجيل الأول قد وَحَّد الصف وجمع القلوب، والجيل الثاني بنى الدولة وتجاوز الأزمات، فماذا على الجيل الثالث أن يفعل؟

لطالما قرأنا في كتب التاريخ عن دولٍ إنهارت لمجرد أنَّ الجيل الثالث فيها تجاهل تعب وتضحيات الأجيال التي سبقتْه، فاستكان إلى الراحة، فكانت النهاية التي يزخر بها تاريخ البشرية. وفي المقابل، هناك الكثير من الدول جاءت ولادتها الحقيقية على يد الجيل الثالث الذي قادها نحو العظمة والشموخ.

اليوم، أتوجهُ إلى أبناء وطني في انطلاقة الجيل الثالث للاستقلال بنداءِ القلب والقلم والساعد؛ فلتتكاتف القلوب، ولتتوحد الأقلام التي أقسم بها الله سبحانه وتعالى، ولتنطلق السواعد نحو الإبداع والتفوق على الذات قبل التحديات؛ لنحمل معاً مشعل الريادة نحو المستقبل الذي يجب أن يكون لنا؛ مستقبلاً نتجاوز فيه الجميع ونثبت من خلاله أننا جيل المستقبل الواعد، ولنكن خير خلف لخير سلف. ولتخط أقلامنا خطط المستقبل، لا خطابات الزيف والنفاق، ولنخرج من بوتقة الإنشاء المدرسي الذي تزخر بِهِ منصاتنا الإعلامية منذ عقود، دون أن تتغير فيه جملة واحدة من الخطاب.

فالحب في القلب، والانتماء في العمل، والولاء في الإخلاص؛ هكذا يريدنا القائد الأعلى جلالة الملك أبا الحسين.

والسلام على أرواح من أوصلوا إلى يَدي قلماً أخطُُّ به خطاباً حولَ استقلالٍ كان يوماً حلماً، ليضحي تاريخاً مجيداً نتغنى به في كل عام.

قد يعجبك ايضا