«بين خيانة الأمانة والالتماس الملتوي للحقوق» بقلم: الدكتورة إيمان سماحة

3٬282

المرفأ نيوز-

في خضمِّ ما يعتمل هذه الأيام على منصات التواصل الاجتماعي من جدلٍ صاخبٍ حول إحدى الوقائع التي استأثرت باهتمام الرأي العام، وانقسمت حولها الأنظار بين مؤيدٍ ومستنكر، وبين من انشغل بتفاصيل الحادثة ومن استغرق في محاكمة الأشخاص؛ وجدتُني أزهد في الوقوف عند حدود الواقعة ذاتها، وأميل إلى النفاذ لما وراءها من دلالاتٍ أعمق ومعانٍ أبقى.

 

فالأشخاص إلى زوال، أما المبادئ فباقية، والحوادث مهما ضجّت بها المجالس سرعان ما تنطوي صفحاتها، بينما تبقى القيم والأخلاق هي المعيار الذي تُوزن به الأمم والأفراد. ومن هنا فإن هذه الكلمات لا تُكتب دفاعًا عن أحد، ولا اصطفافًا خلف طرفٍ دون آخر، وإنما تُكتب استدعاءً لسلطان الضمير، وتذكيرًا بما ينبغي أن يكون عليه الإنسان حين يُبتلى بمنصبٍ أو مصلحةٍ أو شهوةٍ أو هوى.

 

ولعل أخطر ما تكشفه مثل هذه الوقائع أن كثيرًا من الناس يغفلون عن حقيقةٍ كبرى، وهي أننا جميعًا نعيش في كنف ستر الله تعالى، ونتقلب في فيء رحمته وحلمه. فما أكثر العيوب التي واراها الستر، وما أكثر الزلات التي أخفاها الله عن أعين الخلق، وما أقل من يتذكر ذلك حين يرى عثرة غيره. ولو انكشف الغطاء عن الخفايا، وارتفع حجاب الستر عن السرائر، لرأى الناس من أنفسهم ومن غيرهم ما يُذهل العقول ويزلزل القلوب. وما الفرق بين من انجلت خفاياه للناس ومن لا تزال عيوبه مطويةً في أستار الرحمة، إلا أن الله أذن بانكشاف هذا، وأبقى ذاك في فسحة الإمهال.

 

غير أن ستر الله لا ينبغي أن يكون باعثًا على الغفلة، ولا دافعًا إلى التمادي، فإن من أعظم الخسران أن يظن المرء أن تأخير العقوبة رضا، أو أن دوام الستر أمان. فالله سبحانه يمهل ولا يهمل، ويستر بحكمته، فإذا جاءت لحظة انكشاف الغطاء ظهر من الخفايا ما لم يكن بالحسبان، وصدق الله العظيم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.

 

إن كل من تقلد منصبًا أو أُسندت إليه مسؤولية، أياً كان موقعه، مطالبٌ بأن يجعل تقوى الله رقيبه الأول، وأن يستشعر أن ما بين يديه أمانةٌ لا مغنم، وتكليفٌ لا تشريف. فالمنصب ليس بابًا للمحاباة، ولا وسيلةً للابتزاز، ولا مطيةً لتحقيق الأهواء والمآرب. ومن خان ضميره فقد خان قبل ذلك الأمانة التي حمّله الله إياها، ومن باع حقًّا أو استغل نفوذًا أو جعل من سلطته وسيلةً لابتغاء منفعةٍ مادية أو معنوية أو شخصية، فقد أفسد جوهر الرسالة التي وُكل بها.

 

وفي المقابل، فإن طالب الحق ليس بمنأى عن المساءلة الأخلاقية. فالحقوق لا تُنال بالتحايل، ولا تُستدر بالعاطفة المصطنعة، ولا تُكتسب بالوسائل الملتوية التي تُراد بها ليّ أعناق الأنظمة والقوانين. فمن رام ما ليس له، وسلك إليه مسالك لا تليق بأصحاب المروءات، فقد شارك في صناعة الخلل وإن اختلفت صورته.

 

ولقد وضع القرآن الكريم قاعدةً أخلاقية رفيعة حين قال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. وهي قاعدة لا تقف عند حدود زمانٍ أو مكان، وإنما تمتد لتؤسس أدبًا راقيًا في التعامل، يحفظ للناس كراماتهم، ويغلق أبواب الفتنة، ويقطع السبل على كل استغلالٍ أو طمعٍ أو التباس.

 

ومن الخطأ أن يتحول النقاش العام إلى محاكمةٍ لطرفٍ واحد مع إغفال الطرف الآخر، أو إلى صناعة أبطالٍ وضحايا بصورةٍ مطلقة؛ فالحقيقة في كثير من الأحيان أعقد من أن تُختزل في ثنائية الأبيض والأسود. وقد يكون الخطأ متوزعًا بين أكثر من طرف، وقد تتعدد صور الانحراف وإن اختلفت درجاتها وأشكالها.

 

إن المجتمعات لا تُبنى بالتشهير، ولا تُصلحها الضوضاء الإلكترونية، ولا تُقوّمها حملات الشماتة والتشفي، وإنما ينهض بنيانها حين تستيقظ الضمائر، ويُرد الناس إلى موازين الحق والعدل، ويعلم كل إنسان أن الله مطلعٌ عليه في خلوته كما هو مطلع عليه في علانيته.

 

فما أحوجنا اليوم إلى مسؤولٍ يخشى الله أكثر مما يخشى الناس، وإلى صاحب مصلحةٍ يطلب حقه من بابه المشروع، وإلى مجتمعٍ يتعامل مع الوقائع بعين الحكمة لا بعين الهوى، وبميزان الإنصاف لا بميزان الانفعال.

 

إن الأمم لا تسقط حين يكثر فيها الفقراء، ولا حين تشتد بها الأزمات، وإنما تبدأ رحلة السقوط الحقيقية حين تُهدر الأمانة، ويُستبدل الضمير بالمصلحة، وتُقدَّم الشهوة على الواجب، ويغيب استشعار مراقبة الله عن القلوب.

 

وهنا تكمن العبرة الكبرى؛ فليست القضية في واقعةٍ عابرةٍ تشغل الناس أيامًا ثم ينصرفون عنها، وإنما في الدرس الذي ينبغي أن يبقى بعدها: أن الأمانة حصن المناصب، والعفة حصن الحقوق، والتقوى حصن الجميع، وأن من جعل بينه وبين الله ستارًا من الصدق والإخلاص كفاه الله شر نفسه قبل شر الناس.

قد يعجبك ايضا