سرُّ الصنعة… بقلم: نادية إبراهيم نوري
المرفأ نيوز-
لطالما شدتني أفلام الأبيض والأسود، وأجد متعة عجيبة في مشاهدتها بكل شغف، حتى وإن كنت قد شاهدتها مرات عديدة من قبل. والغريب أنني في كل مرة أشعر بالمتعة نفسها وكأنني أتابعها للمرة الأولى. أستمتع بالقصة وما تحمله من قيم نبيلة ورسائل إنسانية تتسلل بين المشاهد والحوارات.
كانت معظم تلك الأفلام تدور حول قضايا اجتماعية بسيطة، وإن تخللتها قصص عاطفية، إلا أنها كانت تزخر بالمشاعر الصادقة والدروس والعبر، وتؤكد أهمية الروابط الأسرية وحقوق الوالدين والجيران والأخوة. كما كانت تعكس ذوقًا راقيًا في الأزياء والديكورات ونمط الحياة، حتى إن نظافة الشوارع وتنظيمها كانت جزءًا من جمال الصورة.
والأغرب من ذلك أن ابنتي، وهي في العشرينيات من عمرها، تتابع معي هذه الأفلام بالشغف ذاته، رغم أن بعضها عُرض مرارًا وتكرارًا. والأكثر إثارة للدهشة أنها إذا صادف عرض فيلم حديث تقول ببساطة: «غيّري القناة، لقد شاهدت هذا الفيلم من قبل!».
هنا يراودني سؤال دائم: ما السر في الأفلام القديمة التي لا نمل من مشاهدتها مهما تكررت، بينما نكتفي بمشاهدة معظم الأفلام الحديثة مرة واحدة فقط؟
والأمر نفسه ينطبق على الأغاني. فأغاني الأمس عاشت لأجيال متعاقبة، حفظناها وما زالت حاضرة في ذاكرتنا حتى اليوم. بل إن الجيل الجديد ينجذب إليها وكأنه يعيش تفاصيلها ومشاعرها. أما الأغاني الحديثة، فعلى الرغم من انتشارها السريع وحفظها من قبل الصغير والكبير، فإنها سرعان ما تتلاشى من الذاكرة ويخبو الشغف بها.
ولو أسقطنا هذا الأمر على مختلف الحرف والصناعات لوجدنا الصورة ذاتها. فالأثاث القديم، والمباني، والأزياء، والجلود، والمشغولات الذهبية، كلها تتميز بالمتانة والأصالة وطول العمر. بينما كثير من المنتجات الحديثة تبدو أقصر عمرًا وأقل بقاءً.
ولذلك لا عجب أن يتسابق الأثرياء في المزادات لاقتناء القطع والأدوات واللوحات القديمة، ويدفعوا فيها مبالغ طائلة، لأنها تحمل قيمة تتجاوز المادة إلى التاريخ والروح والإتقان.
حتى الطعام له نصيب من هذه المقارنة. فمن منا لا يتذكر طعام والدته وكأن مذاقه ما زال حاضرًا في فمه حتى الآن؟ في المقابل، يملأ الطعام السريع البطون، لكنه لا يمنحنا المتعة نفسها، ولا يترك ذلك الأثر الذي يجعلنا نشتاق إليه كما نشتاق إلى أكلات البيت.
وعندما أتأمل صور الشوارع في السبعينيات والثمانينيات، أرى طرقًا أقل ازدحامًا، وأشجارًا تزين الجانبين، وبيوتًا تحيط بها الحدائق والأشجار المثمرة والورود العطرة، حتى إن عبيرها كان يُشم من خارج الأسوار.
وليس هذا فحسب، بل إن أبناء جيلي، جيل الستينيات والسبعينيات، ما زالوا يتذكرون جدول الضرب والقوانين العلمية والنظريات الهندسية بسهولة وعفوية. أما اليوم، فكثير من الطلبة ما إن تنتهي الامتحانات حتى ينسوا معظم ما درسوه، وكأن المعرفة كانت عبئًا مؤقتًا لا رصيدًا دائمًا.
كنت أظن أن حنيني إلى الماضي نابع فقط من انتمائي إلى ذلك الجيل، لكنني اكتشفت أن مشاعر الإعجاب بكل ما هو قديم موجودة لدى كثيرين من مختلف الأعمار.
وزاد اقتناعي بذلك عندما شاهدت لقاءً مع مذيعة قديمة كانت تتحدث عن ذكرياتها المرتبطة بالمطرب الراحل عبد الحليم حافظ. فقد روت أنها ذهبت ذات مرة إلى منزله برفقة صحفي، ففوجئت بعدد كبير من المؤلفين والملحنين والعازفين الذين يعملون معه. كما لفت انتباهها وجود مائدة عامرة بالطعام والشراب لهم جميعًا، وكان كل فرد يتصرف وكأنه في بيته.
كان الجميع منهمكًا في العمل والتدريب على اللحن، بينما كان عبد الحليم، رغم مرضه وإرهاقه، يواصل العمل لساعات طويلة. وكان هذا المشهد يتكرر أيامًا وأسابيع حتى يخرج العمل الفني بالصورة التي تصل إلى الجمهور.
عندها أدركت أن سر تميز أعمال الماضي لم يكن في الزمن نفسه، بل في طريقة العمل. فقد كان العاملون في مختلف المجالات يحبون ما يفعلونه، ويسعون إلى الإتقان والكمال، ويمنحون أعمالهم الوقت الكافي لتنضج وتكتمل. أما اليوم، فقد أصبحت السرعة هي العنوان الأبرز، وأصبح الوقت يُقاس غالبًا بمقدار العائد المادي.
وهنا عرفت السر الحقيقي:
إن ما يُصنع ببطء، ودقة، وإخلاص، يبقى طويلًا ويترك أثرًا عميقًا. أما ما يُنجز على عجل، فإنه يلمع سريعًا، لكنه يخبو بالسرعة نفسها.